Ir al contenido
The ConsciousLibrary

Capítulo 37 de 124

كتاب آفات اللسان · 3

وإنما أوردنا هذا لتهاون الناس باللعنة وإطلاق اللسان بها. والمؤمن ليس بلعان فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين. فالاشتغال بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامة.

قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون فذكروا بلال بن أبي بردة فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه وابن عون ساكت فقالوا: يا ابن عون إنما تذكره لما ارتكب منك، فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: لا إله إلا الله ولعن الله فلاناً، فلأن يخرج من صحيفتي لا إله إلا الله، أحب إلي من أن يخرج منها لعن الله فلاناً. وقال رجل لرسول الله ﷺ: أوصني فقال "أوصيك أن لا تكون لعاناً وقال ابن عمر: إن أبغض الناس إلى الله كل طعان ولعان. وقال بعضهم لعن المؤمن يعد قتله، وقال حماد بن زيد بعد أن روى هذا لو قلت إنه مرفوع لم أبال? وعن أبي قتادة قال: كان يقال "من لعن مؤمناً فهو مثل أن يقتله وقد نقل ذلك حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ.

ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان مثلاً: لا صحح الله جسمه ولا سلمه الله وما يجري مجراه، فإن ذلك مذموم. وفي الخبر "إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة.

الآفة التاسعة

الغناء والشعر

وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده، وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح غلا أن التجرد له مذموم. قال رسول الله ﷺ "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً وعن مسروق أن سئل عن بيت من الشعرفكرهه فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن يوجد في صحيفتي شعر. وسئل بعضهم عن شيء من الشعر فقال: أجعل مكان هذا ذكراً فإن ذكر الله خير من الشعر وعلى الجملة فإنشاد الشعر ونظمه ليس بحرام إذا لم يكن في كلام مستكره قال ﷺ "إن من الشعر لحكمة نعم مقصود الشعر المدح والذم والتشبيب، وقد يدخله الكذب، وقد أمر رسول الله ﷺ حسان بن ثابت الأنصاري بهجاء الكفار والتوسع في المدح فإنه وإن كان كذباً فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب كقول الشاعر: ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق اللـه سـائلـه

فإن هذا عبارة عن الوصف بنهاية السخاء، فإن لم يكن صاحبه سخياً كان كاذباً، وإن كان سخياً فالمبالغة من صنعة الشعر فلا يقصد منه أن يعتقد صورته. وقد أنشدت أبيات بين يدي رسول الله ﷺ لو تتبعت لوجد فيها مثل ذلك فلم يمنع منه. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ يخصف نعله وكنت جالسة أغزل، فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نوراً قالت: فبهت فنظر إلي فقال "مالك بهت? فقلت: يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نوراً ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال "وما يقول يا عائشة أو كبير الهذلي" قلت: يقول هذين البيتين: ومبرأ من كل غبـر حـيضة وفساد مرضعة وداء مغـيل

وإذا نظرت إلى أسرة وجهـه برقت كبرق العارض المتهلل

قال فوضع ﷺ ما كان بيده وقام إلي وقبل ما بين عيني وقال "جزاك الله خيراً يا عائشة ما سررت مني كسروري منك ولما قسم رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين أمر للعباس بن مرداس بأربع قلائص فاندفع يشكو في شعر له وفي آخره: وما كان بدر ولا حابـس يسودان مردسا في مجمع

وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع

فقال ﷺ "اقطعوا لسانه" فذهب به أبو بكر الصديق رضي الله عنه حتى اختار مائة من الإبل ثم رجع وهو من أرض الناس، فقال له ﷺ "أتقول في الشعر?" فجعل يعتذر إليه ويقول: بأبي أنت وأمي إني لأجد للشعر دبيباً على لساني كدبيب النمل ثم يقرصني كما يقرص النمل فلا أجد بداً من قول الشعر، فتبسم ﷺ وقال "لا تدع العرب العشر حتى تدع الإبل الحنين

الآفة العاشرة

المزاح

وأصله مذموم منهي عنه إلا قدراً يسيراً يستثنى منه قال ﷺ "لا تمار أخاك ولا تمازحه فإن قلت: المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيباً للأخ والصديق أو تجهيلاً له وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب قلب فلم ينهى عنه? فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه. أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة، وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار. فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم كما روي عن النبي ﷺ أنه قال "إن لأمزح ولا أقول إلا حقاً إلا أن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقاً، وأما غيره إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان. وقد قال رسول الله ﷺ "إن الرجل ليتكم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى في النار أبعد من الثريا وقال عمر رضي الله عنه: من كثير ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياءه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه. ولأن الضحك يدل على الغفلة عن الآخرة قال ﷺ "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً وقال رجل لأخيه: يا أخي هل أتاك أنك وارد النار? قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارج منها? قال: لا، قال: ففيم الضحك? قيل فما رؤي ضاحكاً حتى مات. وقال يوسف بن أسباط: أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك. وقيل أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر فقال: إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين? وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين? وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول: أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار? وقال ابن عباس: من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو يبكي. وقال محمد بن واسع: إذا رأيت في الجنة رجلاً يبكي ألست تعجب من بكائه? قيل: بلى، قال: فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه? فهذه آفة الضحك والمذموم منه أن يستغرق ضحكاً، والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه السن ولا يسمع له صوت. وكذلك كان ضحك رسول الله ﷺ قال القاسم مولى معاوية: أقبل أعرابي إلى النبي ﷺ على قلوص له صعب فسلم فجعل كلما دنا من النبي ﷺ ليسأله يفر به فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون منه، ففعل ذلك مراراً ثم وقصه فقتله فقيل: يا رسول الله إن الأعرابي قد صرعه قلوصه وقد هلك، فقال "نعم، وأفواهكم ملأى من دمه وأما أداء المزاح إلى سقوط الوقار فقد قال عمر رضي الله عنه: من مزح استخف به. وقال محمد بن المنكدر: قالت لي أمي يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجترئ عليك. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: اتقوا الله وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح، تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال. وقال عمر رضي الله عنه: أتدرون لم سمي المزاح مزاحاً? قالوا لا، قال: لأنه أزاح صاحبه عن الحق. وقيل: لكل شيء بذور وبذور العداوة المزاح. ويقال: المزاح مسلبة للنهي مقطعة للأصدقاء.

فإن قلت: قد نقل المزاح عن رسول الله ﷺ وأصحابه فكيف ينهى عنه? فأقول: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقاً ولا تؤذي قلباً ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحياناً على الندور فلا حرج عليك فيه، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول ﷺ وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله ﷺ أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد، وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا نعم روى أبو هريرة أنهم قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال "إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقاً وقال عطاء: إن رجلاً سأل ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يمزج? فقال: نعم، قال: فما كان مزاحه? قال: كان مزاحه أنه ﷺ كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوباً واسعاً فقال هلا "البسيه واحمدي وجري منه ذيلاً كذيل العروس وقال أنس: إن النبي ﷺ كان من أفكه الناس مع نسائه وروي أنه كان كثير التبسم وعن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقال لها ﷺ "لا يدخل الجنة عجوز" فبكت فقال "إنك لست بعجوز يومئذ، قال الله تعالى "إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً" وقال زيد بن أسلم: إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن زوجي يدعوك، قال "ومن هو أهو الذي بعينه بياض?" قالت: والله ما بعينه بياض! فقال "بل إن بعينه بياضاً" فقالت: لا والله، فقال ﷺ "ما من أحد إلا وبعينه بياض" وأراد به البياض المحيط بالحدقة وجاءت امرأة أخرى فقالت: يا رسول الله احملني على بعيد فقال "بل نحملك على ابن البعير" فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال ﷺ "ما من بعين إلا وهو ابن بعير فكان يمزح به وقال أنس: كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير وكان رسول الله ﷺ يأتيهم ويقول "يا أبا عمير ما فعل النغير لنغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور. وقالت عائشة رضي الله عنها: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر فقال "تعالي حتى أسابقك، فشددت درعي على بطني ثم خططنا خطاً فقمنا عليه واستبقنا فسبقني وقال "هذه مكان ذي المجاز وذلك أنه جاء يوماً ونحن بذي المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي بشيء فقال "أعطينيه" فأبيت وسعيت وسعى في أثري فلم يدركني وقالت أيضاً: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، فلما حملت اللحم سابقني فسبقني، وقال "هذه بتلك وقالت أيضاً رضي الله عنها: كان عندي رسول الله ﷺ وسودة بنت زمعة فصنعت حريرة وجئت به فقلت لسودة: كلي، فقالت لا أحبه، فقلت: والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك، فقالت: ما أنا بذائقته، فأخذت بيدي من الصحفة شيئاً مه فلطخت به وجههاً ورسول الله ﷺ جالس بيني وبينها، فخفض لها رسول الله ركبتيه لتستقيد مني فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي وجعل رسول الله ﷺ يضحك وروي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً، فلما بايعه النبي ﷺ قال: إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء -وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب- أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة تسمع، فقالت: أهي أحسن أم أنت? فقال: بل أنا أحسن منها وأكرم، فضحك رسول الله ﷺ من سؤالها إياه لأنه كان دميماً. وروى علقمة عن أبي سلمة أنه كان ﷺ يدلع لسانه للحسن ابن علي عليهما السلام فيرى الصبي لسانه فيهش له فقال له عيينة بن بدر الفزاري: والله ليكونن لي الإبن قد تزوج وبقل وجهه وما قبلته قط! فقال ﷺ "إن من لا يرحم لا يرحم فأكثر هذه المطايبات منقولة مع النساء والصبيان وكان ذلك منه ﷺ معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل وقال ﷺ مرة لصهيب وبه رمد وهو يأكل تمراً "أتأكل التمر وأنت رمد? فقال: إنما آكل بالشق الآخر يا رسول الله فتبسم ﷺ قال بعض

الرواة حتى نظرت إلى نواجذه. وروي أن خوات ابن جبير الأنصاري كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه رسول الله ﷺ فقال "يا أبا عبد الله ما لك مع النسوة? فقال يفتلن ضفير الجمل لي شرود، قال: فمضى رسول الله ﷺ لحاجته ثم عاد فقال "يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد? قال: فسكت واستحييت وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه، حتى قدمت المدينة وبعد ما قدمت المدينة قال: فرآني في المسجد يوماً أصلي فجلس إلي فطولت فقلا "لا تطول فإني أنتظرك" فلما سلمت قال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد?" قال: فسكت واستحييت، فقام وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يوماً وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد فقال "أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد?" فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال "الله أكبر الله أكبر اللهم اهد أبا عبد الله" قال: فحسن إسلامه وهداه الله وكان نعيمان الأنصاري رجلاً مزاحاً فكان يشرب الخمر في المدينة فيؤتي به إلى النبي ﷺ فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم، فلما كثر ذلك منه قال له رجل من الصحابة: لعنك الله، فقال النبي ﷺ "لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله" وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ثم أتى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله هذا قد اشتريته لك وأهديته لك فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أعطه ثمن متاعه، فيقول له ﷺ "أو لم تهده لنا" فيقول: يا رسول الله إنه لم يكن عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه، فيحضك النبي ﷺ ويأمر لصاحبه بثمنه فهذه مطايبات يباح مثلها على الندور لا على الدوام والمواظبة علياه هزل مذموم وسبب للضحك المميت للقلب.

الآفة الحادية عشر

السخرية والاستهزاء

وهذا محرم مهما كان مؤذياً كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن" ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه: وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة. قالت عائشة رضي الله عنها: حاكيت إنساناً فقال لي النبي ﷺ "والله ما أحب أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا وقال ابن عباس في قوله تعالى "يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، والكبيرة القهقهة بذلك. وهذه إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر. وعن عبد الله بن زمعة أنه قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال "علام يضحك أحدكم مما يفعل وقال ﷺ "إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال له هلم هلم فلا يأتيه وقال معاذ بن جبل: قال النبي ﷺ "من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك عليها استهانة به واستصغاراً له. وعليه قوله تعالى "عسى أن يكونوا خيراً منهم" أي لا تستحقره استصغاراً فلعله خير منك.

وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزاح -وقد سبق ما يذم منه وما يمدح- وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما فيه من التحقير والتهاون. وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب. فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهي عنها.

الآفة الثانية عشر

إفشاء السر

وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء. قال النبي ﷺ "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة وقال مطلقاً "الحديث بينكم أمانة وقال الحسن: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك. ويروى أن معاوية رضي الله عنه أسر إلى الوليد بن عتبة حديثه فقال لأبيه: يا أبت إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً وما أراه يطوى عنك ما بسطه إلى غيرك? قال: فلا تحدثني به فإن من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه قال: فقلت يا أبت وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه? فقال: لا والله يا بني ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر، قال: فأتيت معاوية فأخبرته فقال: يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ فإفشاء السر خيانة.

وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن في إضرار. وقد ذكرنا ما يتعلق بكتمان السر في كتاب آداب الصحبة فأغنى عن الإعادة.

الآفة الثالثة عشر

الوعد الكاذب

فإن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفاً وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" وقال ﷺ العدة عطية وقال ﷺ الوأي مثل الدين أو أفضل والوأي: الوعد. وقد أثنى الله تعالى على نبيه اسمعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال "إنه كان صادق الوعد" قيل إنه وعد إنساناً في موضع فلم يرجع إليه ذلك الإنسان بل نسي، فبقي اسمعيل اثنين وعشرين يوماً في انتظاره. ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاة قال: إنه كان خطب إلى ابنتي رجل من قريش وقد كان إليه مني شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق! أشهدكم أني قد زوجته ابنتي. وعن عبد الله بن أبي الخنساء قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث وبقيت له بقية فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك فنسيت يومي والغد فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه، فقال "يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك وقيل لإبراهيم: الرجل يواعد الرجل الميعاد فلا يجيء، قال: ينتظره إلى أن يدخل وقت الصلاة التي تجيء. وكان رسول الله ﷺ إذا وعد وعداً قال "عسى وكان ابن مسعود لا يعد وعداً إلا ويقول إن شاء الله وهو الأولى.

ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازماً على أن لا يفي فهذا هو النفاق. وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ "ثلاث من كن فيه فهو منافق،وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ "أربع من كن فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وهذا ينزل على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر، فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقاً وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضاً كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذوراً من غير ضرورة حاجزة فقد روي أن رسول الله ﷺ كان وعد أبا الهيثم بن التهيان خادماً؛ فأتى بثلاثة من السبى فأعطى اثنين وبقي واحداً، فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادماً وتقول: ألا ترى أثر الرحى بيدي? فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول "كيف بموعدي لأبي الهيثم? فآخثره به على فاطمة -لما كان قد سبق من موعده له- مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة. ولقد كان ﷺ جالساً يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال: إن لي عندك موعداً يا رسول الله قال "صدقت، فاحتكم ما شئت، فقال: أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها، قال "هي لك" وقال "احتكمت يسيراً ولصاحبه موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل حكماً منك حين حكمها موسى عليه السلام فقالت حكمي أن تردني شابة وأدخل معك الجنة، قيل فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعلا مثلاً فقيل: أشح من صاحب الثمانين والراعي. وقد قال رسول الله ﷺ "ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفي نيته أن يفي وفي لفظ آخر "إذا وعد لرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد، فلا إثم عليه".

الآفة الرابعة عشرة

الكذب في القول واليمين

Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.

كتاب آفات اللسان · 3 · Revivificación de las ciencias de la religión (Ihya ulum al-din) — Al-Ghazali · The Conscious Library