Ir al contenido
The ConsciousLibrary

Capítulo 36 de 124

كتاب آفات اللسان · 2

وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه؛ إما في اللفظ وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض. فكل كلام سمعته فإن كان حقاً فصدق به، وإن كان باطلاً أو كذباً ولم يكن متعلقاً بأمور الدين فاسكت عنه.

والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير. وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان. وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله.

وأما في المعنى: فبأن يقول ليس كما تقول؛ وقد أخطأ فيه من وجه كذا وكذا.

وأما في قصده فمثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق وإنما أنت فيه صاحب غرض، وما يجري مجراه، وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص باسم الجدل وهو أيضاً مذموم بل الواجب السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد والنكارة، أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن.

وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه، وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحق من جهة أخرى مكروهاً عند المجادل، يحب أن يكون هو المظهر له خطأ ليبين به فضل نفسه ونقص صاحبه، ولا نجاة من هذا إلا بالسكوت عن كل ما لا يأثم به لو سكت عنه.

وأما الباعث على هذا فهو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار نقصه. وهما شهوتان باطنتان للنفس قويتان لها. أما إظهار الفضل: فهو من قبل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية. وأما تنقيض الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه، وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان، وإنما قوتهما المراء والجدال. فالمواظب على المراء والجدال مقو لهذه الصفات المهلكة، وهذا مجاوز حد الكراهة بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير. ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل، ويقدح في قائله بكل ما يتصور له؛ فيثور الشجار بين المتمارين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه.

وأما علاجه: فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والسبعية الباعث له على تنقيص غيره -كما سيأتي ذلك في كتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغضب- فإن علاج كل على بإماطة سببها. وسبب المراء والجدال ما ذكرناه، ثم المواظبة عليه تجعله عادة طبعاً حتى يتمكن من النفس ويعسر الصبر عنه.

روي أن أبا حنيفة رحمة الله عليه قال لداود الطائي: لم آثرت الإنزواء? قال: لأجاهد نفسي بترك الجدال، فقال احضر المجالس واستمع ما يقال ولا تتكلم، قال: ففعلت فما رأيت مجاهدة أشد علي منها. وهو كما قال لأن من سمع الخطأ من غيره وهو قادر على كشفه يعسر عليه الصبر عند ذلك جداً. ولذلك قال ﷺ "من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة، لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد. فإن المراء طبع؛ فإذا ظن أن له عليه ثواباً اشتد عليه حرصه وتعاون الطبع والشرع عليه، وذلك خطأ محض، بل ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة، وإذا رأى مبتدعاً تلطف في نصحه في خلوة لا بطريق الجدال. فإن الجدال يخيل إليه أنها حيلة منه في التلبيس وأن ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا، فتستمر البدعة في قلبه بالجدل وتتأكد فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه، وقال ﷺ "رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه وقال هشام بن عروة: كان عليه السلام يردد قوله هذا سبع مرات: وكل من اعتاد المجادلة مدة وأثنى الناس عليه ووجد لنفسه بسببه عزاً وقبولاً قويت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعاً إذا اجتمع عليه سلطان الغضب والكبر والرياء وحب الجاه والتعزز بالفضل. وآحاد هذه الصفات يشق مجاهدتها فكيف بمجموعها?

الآفة الخامسة

الخصومة

وهي أيضاً مذمومة وهي وراء الجدال والمراء؛ فالمراء طعن في كلام الغير بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير. وإظهار مزية الكياسة والجدال وعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي بها مال أو حق مقصود، وذلك تارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضاً. والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق. فقد قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله ﷺ "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع وقال بعضهم: إياك والخصومة فإنها تمحق الدين. ويقال: ما خاصم ورع قط في الدين. وقال ابن قتيبة: مر بي بشر بن عبد الله بن أبي بكرة فقال: ما يجلسك ههنا? قلت: خصومة بيني وبين ابن عم لي، فقال: إن لأبيك عندي يداً وإني أريد أن أجزيك بها، وإني والله ما رأيت شيئاً أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة وأشغل للقلب من الخصومة? قال: فقمت لأنصرف فقال لي خصمي: ما لك? قلت: لا أخاصمك، قال: إنك عرفت أن الحق لي، قلت: لا ولكن أكرم نفسي عن هذا قال: فإني لا أطلب منك شيئاً هو لك.

فإن قلت: فإذا كان للإنسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه وكيف تذم خصومته? فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم؛ مثل وكيف القاضي فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان? فيخاصم بغير علم ويتناول الذي يطلب حقه، ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق، ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال، وفي الناس من يصرح به ويقول: إنما قصدي عناده وكسر عرضه، وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي، وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جداً.? فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلاً، فإنضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدر وتهييج الغضب، وإذا هاج الغضب نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين، حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات، وقال ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب، فالخصومة مبدأ كل شر، وكذا المراء والجدل، فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جداً، فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم ولا تذم خصومته، إلا أنه إن كان مستغنياً عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ما يكفيه فيكون تاركاً للأولى ولا يكون آثماً، نعم أقل ما يفوته في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب؛ إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار، ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله إما تجهيل وإما تكذيب، فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهله أو كذبه فيفوت به طيب الكلام. وقد قال ﷺ "يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام وقد قال الله تعالى "وقولوا للناس حسناً" وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسياً إن الله تعالى يقول "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" وقال ابن عباس أيضاً: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه. وقال أنس: قال رسول الله ﷺ "إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وروي أن عيسى عليه السلام مر به خنزير فقال "مر بسلام، فقيل: يا روح الله أتقول هذا لخنزير? فقال: أكره أن أعود لساني الشر. وقال نبينا عليه السلام "الكلمة الطيبة صدقة وقال "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وقال عمر رضي الله عنه البر شيء هين وجه طليق وكلام لين. وقال بعض الحكماء: الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح. وقال بعض الحكماء: كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلاً، فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين. وهذا كله في فضل الكلام الطيب وتضاده الخصومة والمراء والجدال واللجاج، فإنه الكلام المستكره الموحش المؤذي للقلب المنغص للعيش المهيج للغضب الموغر للصدر. نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه.

الآفة السادسة

التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع

والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة

وكل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت الذي قال فيه رسول الله ﷺ "أنا وأتقياء أمتي برءاء من التكلف" وقال ﷺ "إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً الثرثارون المتفيقهون المتشدقون في الكلام وقالت فاطنة رضي الله عنها قال رسول الله ﷺ "شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وقال ﷺ "ألا هلك المتنطعون -ثلاث مرات- والتنطع هو التعمق والاستقصاء. وقال عمر رضي الله عنه: شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان. وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى أبيه سعد يسأله حاجة، فتكلم بين يدي حاجته بكلام فقال له سعد: ما كنت من حاجتك بأبعد منك اليوم! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول "يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها وكأنه أنكر عليه ما قدمه على الكلام من التشبب والمقدمة المصنوعة المتكلفة. وهذا أيضاً من آفات اللسان، ويدخل فيه كل سجع متكلف، وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة، وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات "إذ قضى رسول الله ﷺ بغرة الجنين فقال بعض قوم الجاني: كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ومثل ذلك بطل? فقال "أسجعاً كسجع الأعراب وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه، بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده: ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم. ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراد وإغراب، فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها، فرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به. فأما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم، ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه.

الآفة السابعة

الفحش والسب وبذاءة اللسان

وهو مذموم ومنهي عنه ومصدره الخبث واللؤم قال ﷺ "إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش ونهى رسول الله ﷺ عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال "لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم وقال ﷺ ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي وقال ﷺ "الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها وقال ﷺ "أربعة يؤذون أهل النار في النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثبور: رجل يسيل فوه قيحاً ودماً فيقال له ما بال الأبعد قد آذاناً على ما بنا من الأذى? فيقول إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة قذعة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث وقال ﷺ لعائشة يا عائشة "لو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء وقال ﷺ "البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق فيحتمل أن يراد بالبيان في أمور الدين وفي صفات الله تعالى، فإن إلقاء ذلك مجملاً إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه؛ إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب، ولكن ذكره مقروناً بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحي الإنسان من بيانه، فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان، وقال ﷺ "إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق وقال جابر بن سمرة: كنت جالساً عند النبي ﷺ وأبي أمامي فقال ﷺ "إن الفحش والتفاحش ليسا من الإسلام في شيء وإن أحسن الناس إسلاماً أحاسنهم أخلاقاً وقال إبراهيم بن ميسرة يقال يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب. وقال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدوإ الداء: اللسان البذي والخلق الدني.

فهذه مذمة الفحش فأما حده وحقيقته فهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها. ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها، وقال ابن عباس: إن الله حي كريم يعفو ويكنو، كني باللمس عن الجماع فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست يفاحشة. وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير، وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض. وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبينهما درجات يتردد فيه، وليس يختص هذا بالوقاع، بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما، فإن هذا أيضاً مما يخفى وكل ما يخفى يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش، وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء فلا يقال: قالت زوجتك كذا بل يقال قيل في الحجرة، أو من وراء الستر، أو قالت أم الأولاد. فالتلطف في هذه الألفاظ محمود والتصريح فيها يفضي إلى الفحش، وكذلك من به عيوب يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير. بل يقال العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات اللسان.

قال العلاء بن هرون: كان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في من منطقه: فخرج تحت إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول? فقلنا: من أين خرج? فقال: من باطن اليد. والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب. وقال أعرابي لرسول الله ﷺ: أوصني فقال "عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء فيه يكن وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئاً" قال: فما سببت شيئاً بعده وقال عياض بن حمار: يا رسول الله إن الرجل من قومي يسبني وهو دوني هل علي من بأس أن أنتصر منه? فقال "المتسابان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم وقال ﷺ "ملعون من سب والديه وفي وراية "من أكبر الكبائر أن يسب الرجال والديه" قالوا يا رسول الله كيف يسب الرجل والديه? قال "يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه".

الآفة الثامنة

اللعن

إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم. قال رسول الله ﷺ "المؤمن ليس بلعان وقال ﷺ "لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بجهنم وقال حذيفة: ما تلاعن قوم قط إلا حق عليهم القول. وقال عمران بن حصين: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره إذ امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها فقال ﷺ "خذوا ما عليها وأعروها فإنها ملعونة قال: فكأني أنظر إلى تلك الناقة تمشي بين الناس لا يتعرض لها أحد. وقال أبو الدرداء: ما لعن أحد الأرض إلا قالت: لعن الله أعصانا لله: وقالت عائشة رضي الله عنها: سمع رسول الله ﷺ أبا بكر وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه وقال "يا أبا بكر أصديقين ولعانين كلا ورب الكعبة -مرتين أو ثلاثاً- فأعتق أبو بكر يومئذ رقيقه وأتى النبي ﷺ وقال: لا أعود. وقال رسول الله ﷺ "إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة وقال أنس: كان رجل يسير مع رسول الله ﷺ على بعير فلعن بعيره فقال ﷺ " يا عبد الله لا تسر معنا على بعين ملعون وقال ذلك إنكاراً عليه. واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم، بأن يقول لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين، وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع فإن في اللعنة خطراً لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى، ويطلع عليه رسول الله ﷺ إذا أطلعه الله عليه.

والصفات المقتضية للعن ثلاثة: الكفر، والبدعة، والفسق. وللعن في كل واحد ثلاث مراتب.

الأولى: اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة.

الثانية: اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض، أو على الزناة والظلمة وآكلي الربا، وكل ذلك جائز. ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر لأن معرفة البدعة غامضة ولم يرد لفظ مأثور، فينبغي أن يمنع منه العوام لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله ويثير نزاعاً بين الناس وفساداً.

الثالثة: اللعن للشخص المعين وهذا فيه خطر كقولك: زيد لعنه الله، وهو كافر أو فاسق أو مبتدع، والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعاً فتجوز لعنته كقولك. فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله، لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعاً. وأما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله، وهو يهودي مثلاً فهذا فيه خطر فإنه ربما يسلم فيموت مقرباً عند الله فكيف يحكم بكونه ملعوناً? فإن قلت: يلعن لكونه كافراً في الحال كما يقال للمسلم: رحمه الله، لكونه مسلماً في الحال، وإن كان يتصور أن يرتد? فاعلم أن معنى قولنا رحمه الله: أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة، ولا يمكن أن يقال ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر، بل الجائز أن يقال: لعنه الله إن مات على الكفر، ولا لعنه الله إن مات على الإسلام. وذلك غيب لا يدرى، والمطلق متردد بين الجهتين ففيه خطر، وليس في ترك اللعن خطر. وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى، فلعن الأعيان فيه خطر لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله ﷺ فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر، ولذلك عين قوماً باللعن فكان يقول في دعائه على قريش "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وذكر جماعة قتلوا على الكفر حتى إن من لم يعلم عاقبته كان يلعنه فنهى عنه إذ روي: أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بثر معونة في قنوته شهراً فنزل قوله تعالى "ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون يعني أنهم ربما يسلمون فمن أين تعلم أنهم ملعونون? وكذلك من بان لنا موته على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى على مسلم، فإن كان لم يجز كما روي أن رسول الله ﷺ سألا أبا بكر رضي الله عنه عن قبر مر به وهو يريد الطائف فقال: هذا قبر رجل كان عاتياً على الله ورسوله وهو سعيد بن العاص، فغضب ابنه عمرو بن سعيد وقال: يا رسول الله هذا قبر رجل كان أطعم للطعام وأضرب للهام من أبي قحافة فقال أبو بكر: يكلمني هذا يا رسول الله بمثل هذا الكلام? فقال ﷺ "اكفف عن أبي بكر" فانصرف ثم أقبل على أبي بكر فقال "يا أبا بكر إذا ذكرتم الكفار فعمموا فإنكم إذا خصصتم غضب الأبناء للآباء، فكف الناس عن ذلك وشرب نعيمان الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله ﷺ فقال بعض الصحابة: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال ﷺ "لا تكن عوناً للشيطان على أخيك وفي وراية "لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله" فنهاه عن ذلك، وهذا يدل على أن لعن فاسق بعينه غير جائز. وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره.

فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به? قلنا. هذا لم يثبت أصلاً فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت، فضلاً عن اللعنة، لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق. نعم يجوز أن يقال قتل ابن ملجم علياً وقتل أبو لؤلؤة عمر رضيالله عنهما فإن ذلك ثبت متواتراً. فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق أو كفر من غير تحقيق قال ﷺ "لا يرمى رجل رجلاً بالكفر ولا يرميه بالفسق إذا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك وقال ﷺ "ما شهد رجل على رجل بالكفر إلا باء به أحدهما، إن كان كافراً فهو كما قال، وإن لم يكن كافراً فقد كفر بتكفيره إياه وهذا معناه أن يكفره وهو يعلم أنه مسلم فإن ظن أنه كافر ببدعة أو غيرها كان مخطئاً لا كافراً. وقال معاذ: قال لي رسول الله ﷺ "أنهاك أن تشتم مسلماً أو تعصي إماماً عادلاً، والتعرض للأموات أشد قال مسروق دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: ما فعل فلان لعنه الله? قلت توفى قالت: رحمه الله، قلت: وكيف هذا? قالت: قال رسول الله ﷺ "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا وقال عليه السلام "لا تسبوا الأموات فتؤذوا به الأحياء وقال عليه السالم "أيها الناس احفظوني في أصحابي وإخواني وأصهاري ولا تسبوهم، أيها الناس إذا مات الميت فاذكروا منه خيراً.

فإن قيل؛ فهل يجوز أن يقال: قاتل الحسين لعنه الله? أو الآمر بقتله لعنه الله? قلنا: الصواب أن يقال: قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله، لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة، فإن وحشياً قاتل حمزة عم رسول الله ﷺ قتله وهو كافر، ثم تاب عن الكفر والقتل جميعاً ولا يجوز أن يلعن، والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى رتبة الكفر، فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر فهو أولى.

Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.

كتاب آفات اللسان · 2 · Revivificación de las ciencias de la religión (Ihya ulum al-din) — Al-Ghazali · The Conscious Library