Capítulo 8 de 9
خليل الكافر · 4
وتراكضوا مسرعين من كل ناحية كالجنود المتفرقين، فلم يبلغ الشاب المكتوف منزل الشيخ حتى اجتمع في تلك الدار الوسيعة الرجال والنساء والصبيان وكلهم يمدون أعناقهم بتشوق ليحظوا بنظرة من الكافر المطرود من الدير ومن راحيل الأرملة وابنتها مريم اللتين شاركتا الأرواح الشريرة على بث السموم والعلل الجهنمية في فضاء قريتهم.
جلس الشيخ عباس على مقعد عالٍ وتربع بجانبه الخوري إلياس ووقف الفلاحون والخدام مترقبين مُحْدِقِينَ بالفتى المكتوف الواقف بينهم برأس مرفوع وقوف الطود بين المنخفضات. أما راحيل ومريم فكانتا واقفتين خلفه والخوف يراود قلبيهما ونظرات القوم القاسية تعذب نفسيهما، ولكن ماذا يفعل الخوف في عواطف امرأة رأت الحق فاتبعته وماذا تفعل النظرات القاسية في فؤاد صبية سمعت نداء الحب فاستيقظت؟
فأجابه: اسمي خليل. فقال الشيخ: من هم أهلك وذووك وأين مسقط رأسك
فالتفت خليل نحو الفلاحين الناظرين إليه بكره واشمئزاز وقال: الفقراء والمساكين المظلومون هم أهلي وعشيرتي، وهذه البلاد الوسيعة هي مسقط رأسي.
فابتسم الشيخ عباس مستهزئًا ثم قال: إن الذين تنتسب إليهم يطلبون معاقبتك والبلاد التي تَدَّعِيهَا وطنًا تأبى أن تكون من سكانها.
ويهرقون دماء أجسادهم على أقدامك، وهذه الأرض التي تأبى أن أكون من سكانها هي الأرض التي لا تفغَرُ فاها وتبتلع الطغاة والطامعين)
فقهقه الشيخ عباس ضاحكا كأنه يريد أن يغرق بضحكه القبيح روح الشاب ويوقفها عن المسير إلى أرواح السامعين والبسطاء ثم قال: (أَوَلَمْ تكن راعيًا لثيران الدير أيها الشاب الوقح فلماذا تركت رعيتك وخرجت مطرودًا. هل ظننت أن الشعب يكون أكثر رأفة بالمجاذيب الملحدين من الرهبان الأتقياء)
تسكن هذا القصر الرفيع وتتركه يبيد جوعا في الأكواخ المظلمة، لو كنت ترحم أبناء الله المخلصين مثلما كنت أرحم عجول الدير لما كنت جالسًا الآن على هذا المقعد الحريري وهم واقفون أمامك وقوف القضبان العارية أمام ريح الشمال)
فتحرك الشيخ عباس منزعجًا وتلمعت على جبهته قطرة عرق باردة، وتبدل ضحكه بالغضب، ولكنه عاد فامتلك نفسه كي لا يظهر الاهتمام والاكتراث أمام رجاله وتابعيه ثم قال مشيرًا بيده (لم نأتِ بك مكتوفًا أيها الكافر لنسمع هذيانك، بل أحضرناك لكي نحاكمك كمجرم شرير فاعلم إذًا بأنك واقف الآن أما سيد هذه القرية وممثل إرادة الأمير أمين الشهابي أيَّده الله(٢) وأمام الخوري إلياس ممثل الكنيسة المقدسة التي كفرت بها، فدافع إذًا عن نفسك مما اتُّهِمْتَ به أو فاركع مسترحمًا نادمًا
أمامنا وأمام هذا الجمع الساخر بك، فنغفر لك ونجعلك راعيًا للبقر مثلما كنت في الدير)
فأجاب الشاب بهدوء: (إن المجرم لا يحاكمه المجرمون والكافر الشرير لا يدافع عن نفسه أمام الخطاة)
المجرم، أنا هو الكافر الذي طُرِدَ من دير فحملته العاصفة إلى قريتكم، أنا هو ذلك الشرير فاسمعوا احتجاجي ولا تكونوا مشفقين بل كونوا عادلين لأن الشفقة تجوز على المجرمين الضعفاء، أما العدل فهو كل ما يطلبه الأبرياء، قد اخترتكم قضاتي لأن إرادة الشعب هي مشيئة الله، فأيقظوا قلوبكم واسمعوني جيدًا ثم احكموا عليَّ بما توحيه ضمائركم، قد قيل لكم بأني رجل كافر شرير ولكنكم لم تعرفوا ما هي جريمتي، وقد رأيتموني مكتوفًا كاللص القاتل ولم تسمعوا بعد بذنوبي لأن حقيقة الجرائم والذنوب في هذه البلاد تظل مستترة وراء الضباب، أما العقاب فيظهر للناس ظهور أسياف البرق في ظلمة الليل، جريمتي أيها الرجال هي إدراكي تعاستكم وشعوري بثقل قيودكم، وآثامي أيتها النساء هي شفقتي عليكن وعلى أطفالكن الذين يمتصون الحياة من صدوركن ممزوجة بلهات الموت.
والجلد والسخرية لأنني جعلت لسكينة تنهيداتكم صوتًا صارخًا متموجًا في خلايا الدير، ولكنني لم أخف قط ولم يضعف قلبي لأن صراخكم الأليم كان يتبع نفسي ويجدد قواي ويحبب إليَّ الاضطهاد والاحتقار والموت..
يزجرها سيد الحقول ويستحثها لكي تتبع مشيئة كاهن الكنيسة؟..
لانتزاع هذا الخبز من بين أيديكم؟ أنتم تلعنون يهوذا لأنه باع سيده بالفضة فأي شيء يجعلكم أن تباركوا الذين يبيعونه في كل يوم من حياتهم؟ إن يهوذا التعس قد ندم على خطيئته فشنق نفسه، أما هؤلاء فيسيرون أمامكم برؤوس مرفوعة وأذيال طويلة ناعمة وقلائِدَ ذهبية وخواتم ثمينة، أنتم تعلمون أبنائكم محبة الناصري فكيف تعلمونهم الخضوع أمام مبغضيه ومخالفي تعاليمه وشرائعه، قد عرفتم بأن رسل المسيح قد ماتوا قتلًا ورجمًا لكي يُحيوا فيكم الروح المقدسة فهل تعرفون بأن الرهبان والكهان يقتلون أرواحَكم لكي يَحْيَوْا متمتعين بخيراتكم متلذذين بحرتقة قيودكم، ماذا يغركم أيها المساكين في وجود مفعم بالذل والهوان ويبقيكم راكعين أمام صنم مخيف أقامه الكذب والرياء على قبور آبائكم؟ وأي كنز ثمين تحافظون عليه بخضوعكم لتبقوه إرثًا لأبنائكم؟..
(لا تدينوا لِئَلَّا تدانوا) ولكنه يدين بقساوة جميع الذين يسخرون بمكارهه ويبعث بأرواحهم إلى الجحيم قبل أن يبعدهم الموت عن هذه الحياة.. يحدثكم رافعًا عينيه بين الآونة والأخرى نحو العلاء أما فكرته فتظل منسابة كالأفعى حول جيوبكم.. يناديكم بقوله لكم (يا أولادي ويا أبنائي) وهو لا يشعر بالعاطفة الأبوية ولا تبتسم شفتاه لرضيع ولا يحمل طفلًا على منكبيه، ويقول لكم هازًّا رأسه بتخشع (لنترفعن عن العالميات لأن أعمارنا تضمحل كالضباب وأيامنا تزول كالفيء)
من الجنة والنعيم... هذا هو المخلوق الذي يخيفكم أيها المسيحيون، هذا هو الراهب الذي يمتص دماءكم أيها الفقراء، هذا هو الكاهن الذي يرسم إشارة الصليب بيمينه ويقبض على قلوبكم بشماله، هذا هو الأسقف الذي تقيمونه خادمًا فينقلب سيدًا، وتطوبونه قديسًا فيصير شيطانًا، وترفعونه نائبًا فيصبح نيرًا ثقيلًا، هذا هو الظل الذي يتبع أرواحكم منذ بلوغها هذا العالم حتى رجوعها إلى الأبدية، هذا هو الرجل الذي جاء في هذه الليلة لكي يدينني ويرذلني لأن روحي تمرَّدت على أعداء يسوع الناصري الذي أحبكم ودعاكم إخوة له ثم صُلب من أجلكم»
الحياة تبعث إليكم يمن يجيب إليكم ظلمة الموت. هل تعتقدون بأن الطبيعة قد بعثت القوى في أجسادكم لكي تعود وتخضعها أمام الضعف أنتم ال تعتقدون بهذه الأشياء لأنكم إن فعلتم تكونون كافرين بالعدل الإلهي جاحدين نور الحق الذي يضيء على جميع الناس. إذاً أي شيء يجعلكم أن تساعدوا الشرّ على نفوسكم. ولماذا تخالفون مشيئة الله الذي بعثكم أحراراً إلى هذا العالم وتصيرون عبيداً للمتمردين على ناموسه. كيف ترفعون أعينكم نحو الله القوي وتدعونه أباً ثم تحنون رقابكم أمام الإنسان الضعيف وتدعونه سيداً كيف يرضى أبناء الله أن يكونوا عبيداً للبشر. اما دعاكم يسوع إخوة فكيف يدعوكم الشيخ عباس خدماً. اما جعلكم يسوع أحراراً بالروح والحق فكيف يجعلكم الأمير عبيداً للحيف والفساد. اما رفع يسوع رؤوسكم نحو السماء فكيف تعمرونها بالظلام... إن الله قد بعث أرواحكم إلى هذه الحياة كشعلات مضيئة تنمو بالمعرفة وتزيد جمالا باستطلاعها خفايا الأيام والليالي فكيف تلحقونها بالرماد لتبيد وتنطفئ. إن الله قد وهب نفوسكم أجنحة لتطير بها سابحة في فضاء الحب والحرية فلماذا تجزونها بأيديكم وتدبون كالحشرات على أديم الأرض. إن الله قد وضع في قلوبكم بزور السعادة فكيف تنتزعونها وتطرحونها على الصخر لتلتقطها الغربان وتذر بها الارياح. إن الله قد رزقكم البنين والبنات لكي تدربوهم على سبل الحق وتملأوا صدورهم باغاني الكيان وتتركوا لهم غبطة الحياة ارثاً ثميناً فكيف تهجعون وتخلفونهم امواتاً بين ايدي الدهر غرباء في ارض مولدهم تعساء امام وجه الشمس. اوليس الوالد الذي يترك ابنه الحر عبدا يكون كالوالد الذي يساله ابنه خبرا فيعطيه حجرا. اما رايتم عصافير الحقل تدرب فراخها على الطيران فكيف تعلمون صغاركم جر القيود والسلاسل اما رايتم زهور الاودية تستودع بزورها حرارة الشمس فكيفأسلمون اطفالكم الى الظلمة الباردة »
وسكت خليل هنيهة كان افكاره وعواطفه قد نمت واتسعت فلم تعد ترتدي الالفاظ ثوباً ثم قال بصوت منخفض « ان الكلام الذي سمعتموه مني في هذه الليلة هو الكلام الذي طردني الرهبان من اجله. والروح التي شعرتم بتموجاتها في قلوبكم هي الروح التي اوقفتي مكتوف امامكم. فان وثب علي سيد حقولكم وكاهن كنيستكم وصرعاني اموت سعيداً فرحاً لاني باظهاري لكم حقيقة ما يحسبه الظالمون جرماً هائلاً قد تمت مشيئة باري و باريكم كان خليل يتكلم وفي صوته الجهوري نغمة سحرية تضطرب لها قلوب الرجال الناظرين اليه باعجاب يشابه استغراب الاعمى اذا ما ابصر فجاة وتهتز الحلاوتها نفوس النساء المحدقات به باعين طافحة بالدموع. اما الشيخ عباس والخوري الياس فكانا يرتجفان غضباً ويتلويان كالمطروحين على وسائد من الاشواك ، وقد حاول كل منهما ان يوقف الشاب عن الكلام فلم يستطع لانه كان يخاطب الجمع بقوة علوية تشابه العاصفة بعزمها والنسيم برقتها
ولما انتهى خليل من كلامه وقد تراجع قليلاً الى الوراء ووقف بجانب راحيل ومريم حدث سكوت عميق كان روحه المرفرفة في جوانب تلك القاعة الوسيعة قد حولت بصائر القرويين نحو مكان قصي وانتزعت الفكر والارادة من نفسي الشيخ والكاهن واوقفتها مرتعشين امام اشباح ضمير يهما المزعجة
حينئذ وقف الشيخ عباس وقد تقلصت ملاحه واصفر وجهه وانتهر الرجال الوالفين حوله قائلاً بصوت مخنوق « ما اصابكم ايها الكلاب. هل تسممت قلوبكم وجمدت الحياة سيفي داخل اجسادكم فلم تعودوا قادرين على تمزيق هذا الكافر المهزار. هل اكتنفت روح هذا الشيطان ارواحكم و كبلت بسحره الجهنمي سواعدكم فلم تستطيعوا ابادته » قال هذه الكلمات وامتشق سيفاً كان بجانبه وهجم على الفتى المكتوف ليوقع به فتقدم رجل قوي البنية من بين الشعب واعترضه قائلاً بهدوء « اغمد سيفك ياسيدي لان من. بالسيف بالسيف يهلك »
فارتعش الشيخ عباس وسقط السيف من يده وصرخ قائلا « من يعترض الخادم الضعيف سيده وولي نعمته »
فاجابه الرجل «الخادم الامين لا يشارك سيده بالشرور والمظالم. ان هذا الشاب لم يقل غير الحق ولم يعلن لهولاء السامعين سوى الحقيقة»
وتقدم رجل اخر وقال لم يقل هذا الفتى شيئًا يستوجب الحكم فيلا ذا تضطهده »
ورفعت امراة صوتها وقالت « لم يقذف بالدين ولم يجدف على اسم الله فلماذا ندعوه كافرا »
فتشجعت راحيل اذ ذاك وتقدمت الى الامام وقالت « ان هذا الشاب يتكلم بالسنتنا ويتظلم عنا ومن يريد به شرًّ يكون عدوا أنا »
فقال الشيخ عباس صارفاً اسنانه ( وانتِ تتمردين ايضا ايتها الارملة الساقطة. هل نسيت ما اصاب زوجك عندما تمرد علي منذ خمس سنوات )
فشهقت راحيل عندما سمعت هذه الكلمات وارتعشت متوجعة كمن أدرك سرًّا هائلًا، والتفتت نحو الجمع وصرخت بأعلى صوتها: (هل سمعتم القاتل يعترف بجريمته في ساعة غضبه؟ ألا تذكرون أن زوجي قد وُجِدَ قتيلًا في الحقل وقد بحثتم عن القاتل فلم تجدوه لأنه كان مختبئًا وراء هذه الجدران؟ ألا تذكرون أن زوجي كان رجلًا شجاعًا؟ أما سمعتموه متكلمًا عن مكاره الشيخ عباس منددًا بأعماله متمردًا على قساوته؟ ها قد أبانت السماء قاتل جاركم وأخيكم وأوقفته أمامكم فانظروا إليه واقرأوا جريمته مكتوبة على وجهه المصفر، انظروه متململًا جازعًا، تأملوا كيف قد ستر وجهه بيديه كي لا يرى عيونكم محدقة به، انظروا السيد القوي مرتجفًا كالقصبة المرضوضة، انظروا الجبار العظيم مرتاعًا أمامكم كالعبد الخاطئ، إن الله قد أراكم على حين غفلة خفايا هذا القاتل الذي تخافونه وأبان لكم النفس الشريرة التي جعلتني أرملة بين نسائكم وتركت ابنتي يتيمة بين أبنائكم)
وبينما راحيل تتكلم صارخة وألفاظها تنقض كالصواعق على رأس الشيخ عباس وضجيج الرجال وزفرات النساء تتموج كشعلات النار والكبريت حول دماغه وقف الكاهن وأخذ بساعده وأجلسه على المقعد ثم نادى الخدام بصوت مرتجف قائلا « اقبضوا علي هذه الامراة التي تتهم سيدكم زوراً وجروها مع هذا الشاب الكافر الى غرفة مظلمة. ومن يعترضكم يكون شريكا لهما بالجريمة محروما نظيرهما من الكنيسة المقدسة »
فلم يتحرك الخدام من اماكنهم ولم يحفلوا باوامر الكاهن بل لبثوا جامدين محدقين بخليل المكتوف وراحيل ومريم الواقفتين عن يمينه وشماله كانهما جناحان قد فتحهما ليطير و يحلق بهما في السحاب فقال الكاهن ولحيته تراقص حنقا ( هل تكفرون بنعمة سيدكم ايها الاجلاف وتجحدون فضله وتنكرونه من اجل فتى مجرم كافر وامراة عاهرة كاذبة )
Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.