Capítulo 6 de 9
خليل الكافر · 2
فأجاب الشاب «إن الرجل لا يصير راهبًا في عرف رئيسه إلا إذا كان مثل آلة عمياء خرساء فاقدة الحس والقوة، أما أنا فقد خرجت من الدير لأنني لست آلة عمياء بل إنسانًا يرى ويسمع».
فأحدقت به راحيل ومريم كأنهما قد رأتا في وجهه سرًّا خفيًّا يريد كتمانه، وبعد هنيهة قالت الوالدة مستغربة «أيخرج الإنسان الذي يرى ويسمع في مثل هذه الليلة التي تعمي العيون وتصم الآذان؟»
فتنهد الشاب وأحنى رأسه على صدره وقال بصوت عميق: «خرجت مطرودًا من الدير»
ورددت مريم هذه الكلمة متأوهة.
التي يبيعها الرئيس بأموال المؤمنين والبسطاء. خرجت مطرودًا كالأبرص القذر؛ لأنني رددت على مسامع القسس والرهبان آيات الكتاب الذي جعلهم قسسًا ورهبانًا»
وسكت الشاب وظلت راحيل ومريم ناظرتين إليه مستغربتين كلامه محدقتين بوجهه الجميل الحزين متلفتتين بين الآونة والأخرى إلى بعضهما كأنهما تتساءلان بالسكينة عن الأسباب الغريبة التي جاءت به إليهما، حتى إذا ما نمت محبة الاستقصاء في قلب الوالدة نظرت إليه بانعطاف وسألته قائلة «أين أبوك وأمك يا أخي؟ هل هما حيان»
فأجاب الشاب والغصات الموجعة تقطع ألفاظه: ليس لي أب ولا أم ولا أخت ولا مسقط رأس.
مكان غير الدير يمكن أن أعيش فيه لأنهم علَّمُوني الكفر بكل شيء إلا معيشتهم، وسمَّموا نفسي بنقيع اليأس والاستسلام حتى ظننت بأن هذا العالم هو بحر أحزان وشقاء وأن الدير هو ميناء الخلاص.
واستوى خليل جالسًا وانبسطت ملامحه المنقبضة، ونظر كأنه رأى شيئًا جميلًا منتصبًا أمامه في ذلك الكوخ. أمَّا راحيل ومريم فلبثتا صامتتين محدقتين به وبعد هنيهة عاد فقال: إن السماء التي شاءت فأخذت والدي ونفتني يتيمًا إلى الدير لم تشأ أن أصرف العمر كله كالأعمى السائر في المعابر الخطرة، ولم تَرْضَ بأن أكون عبدًا تعسًا متصاغرًا إلى نهاية الحياة، ففتحت عينيَّ وأذنيَّ وأرتني النور مشعشعًا وأسمعتني الحقيقة متكلمة.
غير النور الذي تسكبه الشمس على جميع الناس، وهل بإمكان البشر أن يعرفوا الحقيقة؟
فأجاب خليل قائلًا: النور الحقيقي هو ذاك الذي ينبثق من داخل الإنسان، ويبين سرائر النفس للنفس ويجعلها فارحة بالحياة مترنمة باسم الروح، أما الحقيقة فهي كالنجوم لا تبدو إلا من وراء ظلمة الليل. الحقيقة هي مثل جميع الأشياء الجميلة في هذا العالم لا تظهر مفاعليها المستحبة إلا لمن شعر بتأثيرات البطل القاسية، الحقيقة هي تلك العاطفة الخفية التي تعلمنا أن نفرح بأيامنا وتجعلنا نتمنى ذلك الفرح نفسه لجميع الناس.
الله للإنسان. ولكنهم لا يفرحون قط بأيامهم بل يظلون تعساء حتى الموت.
كل ناحية مثلما تتفرق أسراب الطيور فنخدم الشعب الضعيف الذي جعلنا أقوياء، ونصلح البلاد التي نعيش بخيراتها، ونعلم هذه الأمة التعسة أن تبتسم لنور الشمس وتفرح بمواهب السماء ومجد الحياة والحرية؛ لأن المتاعب التي نجدها بين الناس هي أجلُّ وأجمل من الراحة التي نستسلم إليها في هذا المكان، والرأفة التي نلامس بها قلب القريب هي أسمى من الفضيلة المختبئة في قراني الدير، وكلمة التعزية التي نقولها على مسامع الضعيف والمجرم والساقطة هي أشرف من الصلاة الطويلة التي نرددها في الهيكل)
وسكت خليل دقيقة مسترجعًا أنفاسه ثم رفع عينيه نحو راحيل ومريم وقال بصوت هادىءٍ
وطء أقدام أحد الرهبان عندما يجيء ويضع بقربي كسرة من الخبز اليابس العطن وطاسًا من الماء الممزوج بالخل، ولما خرجت من ذلك السجن ورأى الرهبان نحول جسدي واصفرار وجهي توهموا بأن أميال نفسي قد ماتت في داخلي وأنهم بالجوع والعطش والعذاب قد قتلوا العاطفة التي أحياها الله في قلبي... مرت الأيام أثر الليالي وأنا أجهد النفس مفكرًا في ساعات انفرادي بما يجعل أولئك الرهبان يرون النور ويسمعون نغمة الحياة، ولكن باطلًا كنت أفتكر وأفتكر، لأن الغشاء الكثيف الذي حاكته الأجيال الطويلة على بصائرهم لا تمزقه الأيام القليلة، والطينة التي طلت بها الغباوة آذانهم قد تَحَجَّرَتْ فلا تزيلها ملامس الأصابع الناعمة»
أمام الرهبان فطردوك من الدير في هذه الليلة المخفية التي تعلم الإنسان أن يكون رؤوفًا ورفوقًا حتى بأعدائه؟
بين شفتيَّ حتى صفعني أحد الرهبان على وجهي كأني لم أتكلم بغير الحماقة، ثم رفسني آخر برجله وآخر انتزع الكتاب من يدي، وآخر نادى الرئيس فجاء مسرعًا وإذ أخبروه بما جرى تعالت قامته وزوى ما بين عينيه وارتجف غضبًا وصرخ بأعلى صوته (اقبضوا على هذا الشرير المتمرِّد وجروه بعيدًا عن الدير، ودعوا العناصر الغضوبة تعلمه الطاعة، أخرجوه إلى الظلمة الباردة لتفعل به الطبيعة مشيئة الله، ثم اغسلوا أكُفكم خوفًا من سموم الكفر المتعلقة بأثوابه وإن عاد متضرعًا متظاهرًا بالتوبة فلا تفتحوا له الأبواب؛ لأن الأفعى إذا سجنت في القفص لا تنقلب حمامة والعليقة إذا غُرست في الكرم لا تثمر تينًا)..
والغربان المتطايرة وعلِّمْهَا كيف يجب أن تعيش في كهوفها وأوجرتها)
وسكت الشاب والامرأتان تنظران إليه بانعطاف وإعجاب وشفقة كأن نفسيهما قد فهمتا خفايا نفسه واشتركتا معها بالشعور والمعرفة، وبعد هنيهة مدت راحيل يدها أسر إرادتها ولمست يده بلطف وقالت والدموع تتلمع في عينيها: ان من تختاره السماء نصيرًا للحق لا تفنيه المظالم ولا تميته الثلوج والعواصف.
وهمست مريم قائلة: إن العواصف والثلوج تُفْنِي الزهور ولكنها لا تميت بذورها
الامرأة الحساس تنبثق سعادة البشر ومن عواطف نفسها الشريفة تتولَّد عواطف نفوسهم.
قال هذا واتَّكَأَ على الوسادة فلم تشأ الامرأتان متابعة الحديث لأنهما عرفتا من نظراته بأن النعاس المتولد من الراحة والاستدفاء بعد عناء المسير قد راود عينيه.
ولم تمر بضع دقائق حتى أغمض خليل أجفانه ونام كالطفل المستأمن على ذراعي أمه، فقامت راحيل بهدوء واتبعتها مريم وجلستا على فراشهما تنظران إليه كأن في وجهه الذابل جاذبًا يستميل روحيهما ويحيط بقلبيهما، ثم همست الوالدة كأنها تتكلم مع نفسها وقالت: في عينيه المطبقتين قوة غريبة تتكلم بالسكينة وتنبه أميال النفس.
وقالت الابنة: يداه يا أماه مثل يدي صورة يسوع الموجودة في الكنيسة.
الامرأة وقوة الرجل).
وحملت أجنحة الكرى روحي الامرأتين إلى عالم الأحلام وخمدت النار في الموقد وتحولت إلى رماد، ثم جف زيت السراج فشح نوره ببطء ثم انطفأ، وظلت العاصفة الغضوبة تضج خارجًا والجو القاتم ينثر رقع الثلوج والأرياح العنيفة تقذفها يمينًا وشمالًا.
لا تسلم حياتك ثانيةً إلى العناصر العمياء بل ابْقَ ههنا يا أخي فالخبز الذي يشبع اثنين يكفي ثلاثة، والنار في هذا الموقد تظل متقدة بعد ذهابك مثلما كانت قبله، نحن فقراء يا أخي ولكننا نحيا أمام وجه الشمس مثل جميع الناس لأن الله يعطينا خبزنا كفاف يومنا.
أما مريم فكانت ترجوه بنظراتها اللطيفة وتستعطفه بتنهداتها الهادئة لكي يمتنع عن الذهاب لأنها منذ دخوله بين حي وميت ذلك البيت الحقير شعرت بوجود قوة علوية في نفسه تبعث الحياة والشعاع إلى قلبها وتنبه عواطف جديدة مستحبة في قدس من أقداس روحها؛ لأنها شعرت لأول مرة في حياتها بتلك الحاسة الغريبة التي تجعل قلب الصبية النقي مثل وردة بيضاء تشرب قطرات الندى وتسكب دقائق العطر.
تلك العاطفة الخفية التي تستفيق على حين غفلة في قلب الصبية وتملأ خلايا صدرها بالأنغام السحرية وتجعل أيامها شبيهة بأحلام الشعراء ولياليها مثل الأنبياء، ولا يوجد بين أسرار الطبيعة سر أقوى وأجمل من ذلك الميل الذي يحول سكينة نفس العذراء إلى حراك مستمر يميت بعزمه ذكرى الأيام الغابرة ويحيي بحلاوته الآمال بالأيام الآتية.
والنجوم.
Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.