Ir al contenido
The ConsciousLibrary

Capítulo 108 de 124

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد · 2

قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة أسباب الغضب. وقد قال يحيى لعيسى عليهما السلام: أي شيء أشد? قال: غضب الله، قال فما يقرب من غضب الله، قال أن تغضب، قال: فما يبدي الغضب وما ينبته? قال عيسى: الكبر والفخر والتعزز والحمية.

والأسباب المهيجة للغضب هي: الزهور والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها.

فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع. وتميت العجب بمعرفتك بنفسك -كما سيأتي بيانه في كتاب الكبر والعجب- وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد؛ وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتاً فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل؛ والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها، فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك، فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة? وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك. وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك. وأما التعيير فالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب. وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء وترفعاً عن ذل الحاجة.

وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة، وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها، ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت أيضاً عن الغضب الذي يتولد منها. ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة، وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلاً حتى تميل النفس إليه وتستحسنه. وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه، وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها، وآية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضباً من الصحيح، والمرأة أسرع غضباً من الرجل، والصبي أسرع غضباً من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضباً من الكهل، وذو الخلق السيئ والرذائل القبيحة أسرع غضباً من صاحب الفضائل. فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة، ولبخله إذا فاتته الحبة، حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه. بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال رسول الله ﷺ "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب بل ينبغي أن يعالج هذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء، وضد ذلك منقول عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقول لهم ولا فضل فيهم.

بيان علاج الغضب بعد هيجانه

ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج، فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم، وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل.

أما العلم فهو ستة أمور؛ الأول: أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثوابه، فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفئ عنه غيظه، قال مالك بن أوس ابن الحدثان: غضب عمر على رجل وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" فكان عمر يقول "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" فكان يتأمل في الآية وكان وقافاً عند كتاب الله مهما تلي عليه كثير التدبر فيه فتدبر فيه وخلى الرجل. وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى "والكاظمين الغيظ" فقال لغلامه خل عنه.

الثاني: أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول قدرة الله على أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو. فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق. وبعث رسول الله ﷺ وصيفاً إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال "لولا القصاص لأوجعتك أي القصاص في القيامة. وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها: ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة، فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه.

الثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة. وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه، لأنه متردد على حظوظه العاجلة يقدم بعضها على بعض، غلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا فراغته للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون مثاباً عليه.

الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي، ومشابهة الحليم الهادئ التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء، ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأرذال الناس وبين أن يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن كان قد بقي معه مسكة من عقل.

الخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الإنتقام ويمنعه من كظم الغيظ، ولا بد وأن يكون له سبب مثل قول الشيطان له: إن هذا يحمل منك على العجز وصغر النفس والذلة والمهانة وتصير حقيراً في أعين الناس! فيقول لنفسه: ما أعجبك! تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك? وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين? فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله، وذلك يعظمه عند الله، فما له وللناس? وذل من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله له انتقم الآن، أفلا يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا? فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يكرره على قلبه.

السادس: أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده، فكيف يقول مرادي أولى من مراد الله? ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه.

وأما العمل فإن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هكذا أمر رسول الله ﷺ أن يقال عند الغيظ وكان رسول الله ﷺ إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال "يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن فيستحب أن تقول ذلك، فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائماً واضجع إن كنت جالساً واقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك، واطلب بالجلوس والاضجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة. فقد قال رسول الله ﷺ "إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمره عينيه، فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليجلس وإن كان جالساً فلينم، فإن لم يزل ذلك فليتوضاً بالماء البارد أو يغتسل، فإن النار لا يطفئها إلا الماء: فقد قال ﷺ "إذا غضب أحدكم فليوضأ بالماء فإنما الغضب من النار وفي وراية "إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ "وإذا غضبت فاسكت وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غضبه وقال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ "ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض" وكأن هذا إشارة إلى السجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع وهو التراب لتستشعر به النفس الذل وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب.

وروي أن عمر غضب يوماً فدعا بماء فاستنشق وقال: إن الغضب من الشيطان وهذا يذهب الغضب. وقال عروة ابن محمد: لما استعملت على اليمن قال لي أبي: أوليت? قلت: نعم، قال: فإذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما. وروي أن أبا ذر قال لرجل: يا ابن الحمراء -في خصومة بينهما- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال "يا أبا ذر بلغني أنك اليوم عيرت أخاك بأمه" فقال: نعم، فانطلق أبو ذر ليرضي صاحبه فسبقه الرجل فسلم عليه فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال "يا أبا ذر ارفع رأسك فانظر ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل" ثم قال "إذا غضبت فإن كنت قائماً فاقعد وإن كنت قاعداً فاتكئ وإن كنت متكئاً فاضطجع وقال المعتمر بن سليمان: كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد غضبه فكتب صحائف وأعطى كل صحيفة رجلاً وقال للأول: إذا غضبت فأعطني هذه، وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه، وقال للثالث: إذا ذهب غضبي فأعطني هذه، فاشتد غضبه يوماً فأعطى الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً، فسكن بعض غضبه، فأعطي الثانية فإذا فيها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، فأعطي الثالثة فإذا فيها: خذ الناس بحق الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك. أي لا تعطل الحدود. وغضب المهدي على رجل فقال شبيب: لا تغضب لله بأشد من غضبه لنفسه، فقال: خلوا سبيله.

فضيلة كظم الغيظ

قال الله تعالى "والكاظمين الغيظ" وذكر ذلك في معرض المدح. وقال رسول الله ﷺ "من غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته وقال ﷺ "أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة وقال ﷺ "من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا" وفي وراية "ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ "ما جرع عبد جرعة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال ﷺ "إن لجهنم باباً لا يدخله إلى من شفى غيظه بمعصية الله تعالى وقال ﷺ "ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها عبد وما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانا وقال ﷺ "من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق ويخيره من أي الحور شاء.

الآثار: قال عمر رضي الله عنه: من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة ولا تشف غيظك بفضيحتك واعرف قدرك تنفعك معيشتك. وقال أيوب: حلم ساعة يدفع شراً كثيراً. واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد، فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب والصبر عند الجزع. وقال رجل لعمر رضي الله عنه: والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل، فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه. فقال له رجل. يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول "خذ العفو أمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" فهذا من الجاهلين، فقال عمر: صدقت، فكأنما كانت ناراً فأطفئت. وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله، إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وجاء رجل إلى سلمان فقال: يا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال لا أقدر، قال: فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك.

بيان فضيلة الحلم

اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحلم، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتياداً فلا يهيج الغيظ، وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب، وهو الحلم الطبيعي، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل، ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفاً. قال ﷺ "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولاً وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم، لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم حلمكم وأشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر هو الذي يهيج الغضب ويمنع من الحلم واللين. وكان من دعائه ﷺ اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية وقال أبو هريرة "قال النبي ﷺ "ابتغوا الرفعة عند الله. قالوا: وما هي يا رسول الله? قال "تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك وقال ﷺ "خمس من سنن المرسلين: الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر وقال علي كرم الله وجهه: قال النبي ﷺ "إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم وإنه ليكتب جباراً عنيداً ولا يملك إلا أهل بيته وقال أبو هريرة: إن رجلاً قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي وأحلم عنهم، قال "إن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك المل: يعني به الرمل. وقال رجل من المسلمين: اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئاً فهو عليه صدقة فأوحى الله تعالى إلى النبي ﷺ إني قد غفرت له وقال ﷺ "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم" قالوا: وما أبو ضمضم? قال "رجل ممن كان قبلكم كان إذا أصبح يقول: اللهم إني تصدقت اليوم بعرضي على من ظلمني.

وقيل في قوله تعالى "ربانيين" أي حلماء علماء. وعن الحسن في قوله تعالى "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" قال حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وقال عطاء بن أبي رباح "يمشون على الأرض هوناً" أي حلماء. وقال ابن أبي حبيب في قوله عز وجل "وكهلا" قاله: الكهل منتهى الحلم. وقال مجاهد "وإذا مروا باللغو مروا كراما" أي إذا أوذوا صفحوا.

وروي أن ابن مسعود مر بلغو معرضاً فقال رسول الله ﷺ "أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً ثم تلا إبراهيم بن ميسرة وهو الراوي قوله تعالى "وإذا مروا باللغو مروا كراما" وقال النبي ﷺ "اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان لا يتبعون فيه العليم ولا يستحيون فيه من الحليم، قلوبهم قلوب العجم وألسنتهم ألسنة العرب وقال ﷺ "ليليني منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتخلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق وروي أنه وفد على النبي ﷺ الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما. وذلك بعين رسول الله ﷺ يرى ما يصنع، ثم أقبل يمشي إلى رسول الله ﷺ فقال عليه السلام "إن فيك يا أشج خلقين يحبهما الله ورسوله "قال: ما هما بأبي أنت وأمي يا رسول الله? قال "الحلم والأناة" فقال: خلتان تخلقتهما أو خلقان جبلت عليهما? فقال: بل خلقان جبلك الله عليهما" فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله وقال ﷺ "إن الله يحب الحليم الحي الغني المتعفف أبا العيال التقي ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الغبي وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ "ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله: تقوى تحجزه عن معاصي الله عز وجل. وحلم يكف به السفيه، وخلق يعيش به في الناس وقال رسول الله ﷺ "إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد: أين أهل الفضل? فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فتقولون لهم إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فيقولون نحن أهل الفضل، فيقولون لهم ما كان فضلكم? فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء إلينا عفونا وإذا جهل علينا حلمنا. فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

الآثار: قال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم. وقال علي رضي الله عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى. وقال الحسن: اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم. وقال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر. وقال أبو الدرداء: أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكاً لا ورق فيه، إن عرفتهم نقدوك وإن تركتهم لم يتركوك، قالوا: كيف نصنع? قال: تقرضهم عن عرضك ليوم فقرك. وقال علي رضي الله عنه: إن أول ما عوض الحليم عن حلمه جهله وصبره وشهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم، وقال معاوية لعمرو بن الأهتم: أي الرجال أشجع? قال: من رد جهله بحلمه. قال: أي الرجال أسخى? قال: من بذل دنياه لصلاح دينه. وقال أنس بن مالك في قوله تعالى "فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" إلى قوله "عظيم" هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت كاذباً فغفر الله لك وإن كنت صادقاً فغفر الله لي. وقال بعضهم: شتمت فلاناً من أهل البصرة فحلم علي فاستعبدني بها زماناً. وقال معاوية لعرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة? قال: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم. فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأنا خير منه. وسب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها? فنكس الرجل رأسه واستحى. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: أشهد أنك من الفاسقين، فقال: ليس تقبل شهادتك. وعن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خمس خصال محمودة: الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعد من الله عز وجل وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدح بعد الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير وقال رجل لجعفر بن محمد إنه قد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن يقال لي: إن تركك له ذل، فقال جعفر: إنما الذليل الظالم. وقال الخليل بن أحمد: كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل له حاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته وقال الأحنف بن قيس: لست بحليم ولكني أتحلم. وقال وهب بن منبه: من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطئ، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشر يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتول الله يمنع ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن يأمن مكر الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر. وقال رجل لمالك بن دينار: بلغني أنك ذكرتني بسوء، قال، أنت إذن أكرم علي من نفسي إني إذا فعلت ذلك أهديت لك حسناتي. وقال بعض العلماء الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى به. وقال رجل لبعض الحكماء: والله لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك، فقال: معك يدخل لا معي. ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود فقالوا له شراً فقال لهم خيراً فقيل له: إنهم يقولون شراً وأنت تقول خيراً? فقال: كل ينفق مما عنده. وقال لقمان: ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة؛ لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه. ودخل على بعض الحكماء صديق له فقدم إليه طعاماً فخرجت امرأة الحكيم -وكانت سيئة الخلق- فرفعت المائدة وأقبلت على شتم الحكيم، فخرج الصديق مغضباً فتبعه الحكيم وقال له تذكر يوم كنا في منزلك نطعم فسقطت دجاجة على المائدة فأفسدت ما عليها فلم يغضب أحد منا? قال: نعم، قال فاحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة؛ فسرى عن الرجل غضبه وانصرف وقال: صدق الحكيم، الحلم شفاء من كل ألم. وضرب رجل قدم حكيم فأوجعه فلم يغضب فقيل له في ذلك فقال: أقمته مقام حجر تعثرت به فذبحت الغضب. وقال محمود الوراق: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه علي الـجـرائم

وما الناس إلا واحـد مـن ثـلاثة شريف ومشروف ومثلي مقـام

فأما الذي فوق فأعـرف قـدره وأتبع فيه الحق والـحـق لازم

وأما الذي دوني فإن قال صنت عن إجابتـه عـرضـي وإن لام لائم

وأما الذي مثل فإن زل أو هـفـا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكـم

بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام

اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله، فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب. وكذلك سائر المعاصي. وإنما القصاص والغرامة على قدر ما ورد الشرع به وقد فصلناه في الفقه.

وأما السبب فلا يقال بمثله إذ قال رسول الله ﷺ "إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه وقال "المستبان ما قالا فهو على البادئ ما لم يعتد المظلوم" وقال "المستبان شيطانان يتهاتران وشتم رجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: إنك كنت ساكتاً لما شتمني فلما تكلمت قمت قال "لأن الملك كان يجيب عنك فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان وقال قوم: تجوز المقابلة بما لا كذب فيه، وإنما نهى رسول الله ﷺ عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه، والأفضل تركه ولكنه لا يعصى به. والذي يرخص فيه أن تقول: من أنت? وهل أنت إلا من بني فلان? كما قال سعد لابن مسعود: وهل أنت إلا من بني هذيل? وقال ابن مسعود: وهل أنت إلا من بني أمية، ومثل قوله: يا أحمق، قال مطرف: كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الناس أقل حماقة من بعض. وقال ابن عمر في حديث طويل: حتى ترى الناس كلهم حمقى في ذات الله تعالى وكذلك قوله يا جاهل، إذ ما من أحد إلا وفيه جهل؛ فقد آذاه بما ليس بكذب. وكذلك قوله يا سيئ الخلق، يا صفيق الوجه يا ثلايا للإعراض، وكان ذلك فيه. وكذلك قوله: لو كان فيك حياء لما تكلمت، وما أحقرك في عيني بما فعلت، وأخزاك الله وانتقم منك.

فأما النميمة والغيبة والكذب وسب الوالدين فحرام بالاتفاق، لما روي أن كان بين خالد بن الوليد وسعد كلام، فذكر رجل خالداً عند سعد، فقال سعد: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا. يعني أن يأثم بعضنا في بعض، فلم يسمع السوء فكيف يجوز له أن يقوله?

Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد · 2 · Revivificación de las ciencias de la religión (Ihya ulum al-din) — Al-Ghazali · The Conscious Library