Capítulo 3 de 4
أيها الولد · 3
قال: حصلت ثمانى فوائد من العلم ، وهى تكفينى منه لأنى أرجو خلاصى ونجاتى فيها. فقال شقيق ما هى؟
قال حاتم:
الفائدة الأولى:
أنى نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه يصاحبه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ، ويتركه فريدا وحيدا، ولا يدخل معه فى قبره منهم أحد فتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه فى قبره، ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة ، فأخذتها محبوبه لى ، لتكون لى سراجا فى قبرى، وتؤنسنى فيه ، ولا تتركنى فريدا.
الفائدة الثانية:
أنى رأيت الخلق يقتدون أهواءاهم، ويبادرون إلى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى ( واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنه هى المأوى). وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف النفس وتشمرت بمجاهدتها ، وما متعتها بهواها ، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت.
الفائدة الثالثة:
أنى رأيت كل واحد من الناس يسعى فى جمع حطام الدنيا ، ثم يمسكه قابضا يده عليه فتأملت فى قوله تعالى: ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) فبذلت محصولى من الدنيا لوجه الله تعالى ففرقته بين المساكينليكون ذخرا لى عند الله تعالى.
الفائدة الرابعة:
أنى رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه فى كثرة الأقوام والعشائر فاعتز بهم. وزعم آخرون أنه فى ثروة الأموال وكثرة الأولاد ، فافتخروا بها. وحسب بعضهم أن العز والشرف فى غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم. واعتقدت طائفة أنه فى اتلاف المال واسرافه وتبذيره، فتأملت قوله تعالى: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فاخترت التقوى واعتقدت أن القرآن حق صادق، وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل.
الفائدة الخامسة:
أنى رأيت الناس يذم بعضهم بعضا ، ويغتاب بعضهم بعضا ، فوجدت أصل ذلك من الحسد فى المال والجاه والعلم، فتأملت فى قوله تعالى: ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا) فعلمت أن القسمة كانت من الله تعالى فى الأزل، فما حسدت أحدا ورضيت بقسمة الله تعالى.
الفائدة السادسة:
أنى رأيت الناس يعادى بعضهم بعضا لغرض وسبب ، فتأملت فى قوله تعالى: ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) ، فعلمت أنه لا يجوز عداوة احد غير الشيطان.
الفائدة السابعة:
أنى رأيت كل أحد يسعى بجد ، ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش، بحيث يقع فى شبهة وحرام ويذل نفسه وينقص قدره فتأملت فى قوله تعالى: ( وما من دابه فى الأرض إلا على الله رزقها) فعلمت أن رزقى على الله تعالى وقد ضمنه ، فاشتغلت بعبادته ، وقطعت طمعى عمن سواه.
الفائدة الثامنة:
أنى رأيت كل واحد معتمدا على شىء مخلوق ، بعضهم على الدينار والدرهم ، وبعضهم على المال والملك ، وبعضهم على الحرفة والصناعة ، وبعضهم على مخلوق مثله، فتأملت فى قوله تعالى: ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا) ، فتوكلت على الله تعالى فهو حسبى ونعم الوكيل..
فقال شقيقي: وفقك الله تعالى إنى قد نظرت التوراة والانجيل والزبور والفرقان ، فوجدت الكتب الأربعة تدور على هذه الفوائد الثمانى ، فمن عمل بها كان عاملا بهذه الكتب الأربعة.
أيها الولد
قد علمت من هاتين الحكاتين أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم.
إنى أنصحك بأشياء ، اقبلها منى لئلا يكون علمك خصمك يوم القيامة ، تعمل منها ، وتدع منها:
أما اللواتى تدع:
فأحدها: ألا تناظر أحدا فى مسألة ما استطعت لأن فيها آفات كثيرة ، فإثمها أكبر من نفعها. نعم لو وقع مسأله بينك وبين شخص أو قوم وكانت ارادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع، جاز البحث، لكن لتلك الارادة علامتان:
إحداهما: ألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك. والثانية: أن يكون البحث فى الخلاء، أحب إليك من أن يكون فى الملأ.
والثانى مما تدع: وهو أن تحذر وتحترز من أن تكون واعظا ومذكرا ، لأن آفته كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا، ثم تعظ به الناس فتفكر فيما قيل لعيسى عليه السلام: يا ابن مريم عظ نفسك ، فان اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح من الله.
والثالث مما تدع: أنه لا تخالط الأمراء والسلاطين ولا ترهم لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفه عظيمة، ولو ابتليت بها دع عنك مدحم وثنائهم، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم، ومن دعا لطول بقائهم فقد أحب أن يعصى الله فى أرضه.
والرابع مما تدع: ألا تقبل شيئا من عطايا الأمراء وهداياهم وأن علمت أنها من الحلال ، لأن الطمع منهم يفسد الدين لأنه يتولد منه المداهنة ، ومراعاة جانبهم والموافقة فى ظلمهم ، وهذا كله فساد فى الدين، وأقل مضرته أنك إذا قبلت عطاياهم ، وانتفعت من دنياهم أحببتهم ، ومن أحب أحدا يحب طول عمره ، وبقاءه بالضرورة، وفى محبة بقاء الظالم إرادة فى الظلم على عباد الله تعالى، وإرادة خراب العالم ، فأى شىء يكون أضر من هذا على الدين والعاقبة.
وأما الأمور التى ينبغى لك فعلها:
الأول: أن تجعل معاملتك مع الله تعالى، بحيث لو عامل معك بها عبدك ترضى بها منه، ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب، والذى لا ترضى به لنفسك من عبدك المجازى فلا ترضى أيضا لله تعالى وهو سيدك الحقيقى.
Usa las flechas ← → del teclado para pasar de capítulo.