Chapter 9 of 9
خليل الكافر · 5
فاجابه اكبر الخدام سناً وقال ( قد خدمنا الشيخ عباس أفاء الخبز والماوى ولكننا لم نكن له عبيداً قط ) قال هذا ونزع عباءته وكوفيتة وطرحهما امام الشيخ عباس وزاد قائلاً « لا اريد ان انعم جسدي بهذه الملابس الحقيرة كيما نبقى نفسي متعذبة في منزل سفاك الدماء »
ففعل الخدام كافة نظيره وانضموا إلى الجمع وعلى وجوههم سيماء الانعتاق والحرية
فلما راى الخوري الياس ما فعلوه وقد شعر بان سلطته الكاذبة قد تضعضعت خرج من ذلك المنزل مجدفًا على الساعة التي انت بخليل الى تلك القرية
حينئذٍ تقدم رجل من بين الجمع وحل وثاق خليل ونظر إلى الشيخ عباس المرتمي على كرسيه كجثة هامدة وبلهجة مملوءة بالعزم والإرادة خاطبه قائلًا: «إن الشاب الذي أحضرته مكتوفًا لكي تحاكمه كمجرم أثيم قد أنار قلوبنا المظلمة وحوَّل بصائرنا نحو سبل الحق والمعروفة، والأرملة البائسة التي دعوتها عاهرة كاذبة قد أبانت لنا السر الهائل الذي ظل مكتومًا خمسة أعوام، أما نحن فقد تراكضنا مسرعين إلى هذه الدار بدينونة البريء واضطهاد العادل، والآن وقد انفتحت أعيننا وأرتنا السماء جريمتك المخيفة ومظالمك القاسية نغادرك منفردًا ولا ندينك، ونهملك ولا نشكوك ونبتعد عنك طالبين من السماء أن تفعل مشيئتها بك )
وارتفعت إذ ذاك أصوات الرجال والنساء في تلك القاعة الوسيعة فكان هذا يقول: هلموا نخرج من هذا المكان المشحون بالآثام والمعاصي ونذهب إلى بيوتنا. وذا يصرخ: تعالوا نتبع الشاب إلى بيت راحيل ونسمع حكمته المعزية وأقواله العذبة. وذاك يهتف: لنفعلن إرادة خليل فهو أعلم بحاجاتنا وأدرى منَّا بمطالبنا. وغيره يقول: إن كنا نريد العدل والإنصاف فلنذهب غدًا إلى الأمير أمين ونخبره بجرائم الشيخ عباس ونطلب إليه أن يعاقبه. وآخر يصيح: يجب أن نستعطف الأمير ونرجوه أن يقيم خليلًا ممثلًا له في هذه القرية. وغيره يقول: يجب أن نشكو الخوري إلياس إلى الأسقف لأنه يشارك الشيخ بجميع أعماله.
وبينما هذه الأصوات تتصاعد من كل ناحية وتهبط كالسهام الحادة على صدر الشيخ الخفوق رفع خليل يده وأسكت الجمع بإشارة ثم ناداهم قائلًا: (اسمعوا وتبصَّروا أيها الإخوة ولا تكونوا متسرعين، أنا أطلب إليكم باسم محبتي ألا تذهبوا إلى الأمير فهو لا ينصفكم من الشيخ لأن الكواسر لا تنهش بعضها البعض، ولا تشكوا الكاهن إلى رئيسه لأن الرئيس يعلم أن البيت الذي ينقسم على ذاته يخرب، ولا تطلبوا أن أكون ممثلًا للحاكم في هذه القرية لأن الخادم الأمين لا يريد أن يكون عونًا للسيد الشرير، إن كنت خليقًا بحبكم وانعطافكم فدعوني أعيش بينكم وأشارككم بأفراح الحياة وأحزانها، وأشاطركم العمل في الحقول والراحة في المنازل؛ لأننى إن لم أكن كواحد منكم أكن كالمرائين الذين يكرزون بالفضيلة ولا يفعلون غير الشر، والآن وقد وضعت الفأس على أصل الشجرة تعالوا نذهب تاركين الشيخ عباس واقفًا في محكمة ضميره أمام عرش الله الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار) قال هذا وخرج من ذلك المكان فتبعه الجمع كأن في شخصه قوة تتحول نحوها الأبصار كيفما تحولت، وبقي الشيخ منفردًا كالبرج المهدوم متوجعًا كالقائد المغلوب، ولما بلغ الجمع ساحة الكنيسة وكان القمر قد طلع من وراء الشفق وسكب أشعته الفضية في السماء التفت خليل ورأى أوجه الرجال والنساء متجهة نحوه كالخراف الناظرة إلى راعيها فتحركت روحه في داخله كأنه وجد في أولئك القرويين المساكين رمز الشعوب المظلومة وشاهد في تلك الأكواخ الحقيرة المكتنفة بالثلوج المتجلدة رمز البلاد المغمورة بالذل والهوان، فوقف وقفة نبي يسمع صراخ الأجيال، وتغيرت ملامحه واتسعت عيناه كأن نفسه قد أبصرت جميع أمم المشرق سائرة تجر قيود العبودية في تلك الأودية، فرفع كفيه نحو العلاء وبصوت يشابه ضجيج الأمواج صرخ قائلًا
«من أعماق هذه الأعماق نناديك أيتها الحرية فاسمعينا، من جوانب هذه الظلمة ترفع أَكُفَّنَا نحوكِ فانظرينا، وعلى هذه الثلوج نسجد أمامك فارحمينا، أمام عرشكِ الرهيب نقف الآن ناشرين على أجسادنا أثواب آبائنا الملطخة بدمائهم، عافرين شعورنا بتراب القبور الممزوج ببقاياهم. حاملين السيوف التي أُغْمِدَتْ بأكبادهم، رافعين الرماح التي خرقت صدورهم، ساحبين القيود التي أبادت أقدامهم، صارخين الصراخ الذي جرح حناجرهم، نائحين النواحَ الذي ملأ ظلمة سجونهم، مصلين الصلاة التي انبثقت من أوجاع قلوبهم، فأصغي أيتها الحرية واسمعينا، من منبع النيل إلى مصب الفرات يتصاعد نحوك عويل النفوس متموجًا مع صراخ الهاوية، ومن أطراف الجزيرة إلى جبهة لبنان تمتد إليك الأيدي مرتعشة بنزاع الموت، ومن شاطئ الخليج إلى أذيال الصحراء ترتفع نحوِك الأعين مغمورة بذوبان الأفئدة، فالتفتي أيتها الحرية وانظرينا: في زوايا الأكواخ القائمة في ظلال الفقر والهوان تُقرع أمامك الصدور، وفي خلايا البيوت الجالسة في ظلمة الجهل والغباوة تُطرح لديك القلوب، وفي قراني المنازل المحجوبة بضباب الجور والاستبداد تحن إليك الأرواح، فانظري أيتها الحرية وارحمينا … في المدارس والمكاتب تناجيك الشبيبة اليائسة، وفي الكنائس والجوامع يستميلك الكتاب المتروك، وفي المحاكم والمجالس تستغيث بك الشريعة المهملة فأشفقي أيتها الحرية وخلصينا.. في شوارعنا الضيقة يبيع التاجر أيامه ليعطي أثمانها إلى لصوص المغرب ولا من ينصحه وفي حقولنا المجدبة يحفر الفلاح الأرض بأظافره ويزرعها حبات قلبه ويسقيها دموعه ولا يستغل غير الأشواك ولا من يعلّمه. وفي سهولنا الجرداء يسير البدوي عارياً حافياً جائعاً ولا من يترأف به فتكلمي أيتها الحرّية وعلمينا
« نعاجنا ترتعى الأشواك والحسك بدلاً من الزهور والأعشاب. وعجولنا تقضم أصول الأشجار بدلاً من الذرة. وخيولنا تلتهم الهشيم بدلاً من الشعير فهلمي أيتها الحرية وأنقذينا_
« منذ البدء وظلام الليل يخيم على أرواحنا فإلى متى يجيء الفجر. من الحبوس إلى الحبوس تنتقل أجسادنا والأجيال تمر بنا ساخرة فإلى متى نحتمل سخرية الأجيال ومن نير ثقيل إلى نير أثقل تذهب أعناقنا وأمم الأرض تنظر من بعيد ضاحكة منا فإلى مَ نصبِر على ضحك الأمم
ومن القيود إلى القيود تسير ركابنا فلا القيود تفنى ولا نحن ننقرض فإلي متى نحيا _
« من عبودية المصريين إلي سبي بابل إلى قساوة الفرس إلى خدمة الإغريقيين إلى استبداد الروم إلى مظالم المغول إلى مطامع الإنكليز فإلى أين نحن سائرون الآن وأي متى نبلغ جبهة العقبة __
« من مقابض فرعون إلي مخالب نبوخذنصر إلى أظافر الاسكندر إلى أسياف هيرودس إلى براثن نيرون إلى أنياب الشيطان فإلى يد من نحن ذاهبون الآن وأي متي نبلغ قبضة الموت فنرتاح من سكينة العدم _
« بعزم سواعدنا قد رفعوا أعمدة الهياكل والمعابد لمجد آلهتهم. وعلى ظهورنا قد نقلوا الطين والحجارة لبناء الأسوار والبروج لتعزيز حماهم. وبقوي أجسادنا قد أقاموا الأهرام لتخليد أسمائهم. فحتي متى نبني القصور والصروح ولا نسكن غير الأكواخ والكهوف. و نملأ الأهرام والخزائن ولا نأكل غير الثوم والكراث. ونحوك الحريرو الصوف ولا نلبس غير المسوح والاظمار -
" بخبثهم واحتيالهم قد فرقوا بين العشيرة والعشيرة وأبعدوا الطائفة عن الطائفة، وبَغَّضُوا القبيلة بالقبيلة، فحتى متى نتبدد كالرماد أمام هذه الزوبعة القاسية، ونتصارع كالأشبال الجائعة بقرب هذه الجيفة المنتنة.
لحفظ عروشهم وطمأنينة قلوبهم قد سلَّحوا الدرزي لمقاتلة العربي وحمَّسوا الشيعي لمصارعة السني ونشطوا الكردي لذبح البدوي وشجعوا الأحمدي لمنازعة المسيحي، فحتى متى يصرع الأخ أخاه على صدر الأم وإلى متى يتوعد الجار جاره بجانب قبر الحبيبة وإلامَ يتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله -
"أصغي أيتها الحرية واسمعينا، التفتي يا أم ساكني الأرض وانظرينا فنحن لسنا أبناء ضرَّتِك، تكلمي بلسان فرد واحد منا، فمن شرارة واحدة يشتعل القش اليابس، أيقظي بحفيف أجنحتك روح رجل من رجالنا، فمن سحابة واحدة ينبثق البرق وينير بلحظة خلايا الأودية وقمم الجبال بددي بعزمك هذه الغيوم السوداء وانزلي كالصاعقة واهدمي كالمنجنيق قوائم العروش المرفوعة على العظام والجماجم. المصفحة بذهب الجزية والرشوة المغمورة بالدماء والدموع
«اسمعينا أيتها الحرية، ارحمينا يا ابنة أثينا، أنقذينا يا أخت رومة، خلصينا يا رفيقة موسى، أسعفينا يا حبيبة محمد، علمينا يا عروسة يسوع، قوي قلوبنا لنحيا أو شددي سواعد أعدائنا علينا فنفنى وننقرض ونرتاح»
كان خليل يناجي السماء وعيون الفلاحين محدقة به، وعواطفهم تنسكب مع نغمة صوته، ونفوسهم تتطاير مع أنفاسه، وصدورهم تخفق بنبضات قلبه، فكأنه أصبح منهم في تلك الساعة بمنزلة الروح من الجسد، ولما انتهى من مناجاته التفت نحوهم وقال بهدوء: «قد جمعنا هذا الليل في منزل الشيخ عباس لكي نرى نور النهار، وأوقفتنا المظالم أمام هذا الفضاء البارد لكي نتفاهم وننضم كالفراخ تحت جناحي الروح الخالدة، فليذهب الآن كل منا إلى فراشه لينام مترقبًا لقاء أخيه في الصباح» قال هذا ومشى متبعًا خطوات راحيل ومريم إلى كوخهما، فتفرق إذ ذاك الجمع وذهب كلٌّ إلى بيته مفكرًا بما سمعه ورآه شاعرًا بملامس حياة جديدة في داخل نفسه.
ولم تمر ساعة حتى انطفأت السرج في الأكواخ وألقت السكينة وشاحها على تلك القرية وحملت الأحلام أرواح الفلاحين تاركة روح الشيخ عباس ساهرة مع أشباح الليل مرتعدة أمام ذنوبه متعذبة بين أنياب هواجسه
مر شهران وخليل يكب سرائر روحه في قلوب اولئك القرويين محدثا اياهم في كل يوم عن غوامض حقوقهم وواجباتهم مصورا لبصائرهم حياة الرهبان الطامعين مرددا على مسامعهم اخبار الحكام القساة جاعلاً بين عواطفه وعواطفهم صلة قوية شبيهة بالنواميس الازلية التي تقيد الاجرام ببعضها. فكانوا يصفون اليه بفرج يضارع بهجة الحقول الظمانة بانهطال الامطار ويرددون كلامه في خلوتهم ملبسين نسمات مقاصده اجسادا من محبتهم غير حافلين بالخوري الياس الذي اصبح يتزلف اليهم منذ ظهور جريمة حليفه الشيخ ويقترب منهم لينا كالشمع بعد ان كان صلباً كالرخام
اما الشيخ عباس فقد اصيب بعلة في نفسه شبيهة بالجنون فكان يسير ذهاباً واياباً في رواق منزله كالنمر المسجون وينادي خدامه باعلى صوته فلا يجيبه غير الجدران ويصرخ مستنجدا برجاله فلا يأتي لمعونته غير زوجته المسكينة التي عانت من خشونة طباعه ما قاساه الفلاحون من مظالمه واستبداده. ولما جاءت ايام الصوم واعلنت السماء قدوم الربيع انقضت ايام الشيخ بانقضاء زوابع الشتاء فمات بعد بنزاع موجع مخيف وذهبت روحه محمولة على بساط اعماله لتقف عارية امام ذلك العرش الذي نشعر بوجوده ولا نراه وقد اختلفت اراء الفلاحين في سبب موته فكان بعضهم يقول قد اختلت شعوره فقضى مجنوناً وبعضهم يقول قد سممم اليأس حياته عندما زالت سطوته فمات منتحراً اما النساء اللواتي ذهبن لتعزية زوجته فأخبرن رجالهن با نه مات خائفا مرتاءا لان شبح سمعان الرامي كان يظهر له مرتدياً اثواباً ملطخة بالدماء ويقوده كرها عندما ينتصف الليل إلى المكان الذي وجد فيه مصروعاً منذ ه أعوام.
واعلنت ايام نيسان لسكان تلك القرية سرائر الحب الخفية الكائنة بين روح خليل وروح مريم ابنة راحيل فتهللت وجوههم فرحاً ورقصت قلوبهم ابتهاجا ولم يعودوا يخشون ذهاب الشاب الذي ايقظ قلوبهم الى محبط اوسع وارقى من وسطهم. فطافوا يبشرون بعضهم بعضاً بصيرورته جاراً قريباً ومهرا محبوباً لكل واحد منهم
ولما جاءت ايام الحصاد خرج الفلاحون الى الحقول وجمعوا الاغمار على البيادر ولم يكن الشيخ عباس هناك ليغتصب الغلة ويحملها الى اهورائه ومخازنه بل كان كل من الفلاحين يستغل الحقل الذي فلحه وزرعه فامتلات تلك الاكواخ من القمح والذراة والخمر والزيت
اما خليل فكان يشاطرهم الاتعاب والمسرات ويساعدهم بجمع الغلة وعصر العنب واجتناء الاثمار. ولم يكن يميز نفسه عن الواحد منهم إلا بمحبته ونشاطه
منذ تلك السنة إلى أيامنا هذه أصبح كل فلاح في تلك القرية يشتغل بالفرح الحقل الذي زرعه بالاتعاب ويجمع بالمسرة أثمار البستان الذي غرسه بالمشقة. فصارت الأرض ملكًا لمن يفلحها والكروم نصيبًا لمن ينقبها ويحرثها
والآن قد انقضى نصف قرن على هذه الحادثة. وراودت اليقظة أجفان اللبنانيين. يمر المسافر على طريقه إلى غابة الأرز ويقف متاملًا بمحاسن تلك القرية الجالسة كالعروس على كتف الوادي فيرى اكوخها قد صارت بيوتا جميلة مكتنفة بالحقول الخصبة والحدائق الناضرة. وإن سأل أحد سكانها عن تاريخ الشيخ عباس يجيبه مشيرًا نحو حجارة منقوضة وجدران مهدومة وأعمدة مرتمية قائلًا „هذا قصر الشيخ عباس وهذا هو تاريخ حياته“. وإن سأله عن خليل يرفع يده إلى العلاء قائلًا „هناك يسكن خليلنا الصالح أما تاريخ حياته فقد كتبه آباؤنا بأحرف من شعاع على صفحات قلوبنا فلن تمحوه الأيام والليالي“
Use the ← → keys to move between chapters.