Skip to content
The ConsciousLibrary

Chapter 5 of 9

خليل الكافر · 1

كان الشيخ عباس بين سكان تلك القرية المنزوية في شمال لبنان كالأمير بين الرعية، وكان منزله القائم بين أكواخهم الحقيرة يشابه الجبار الواقف بين الأقزام. وكانت معيشته ممتازة عن معيشتهم بميزة السعة عن العوز وأخلاقه مختلفة عن أخلاقهم باختلاف القوة عن الضعف.

أمام الأرياح وإن صفع خَدَّ رجل منهم ظل ذلك الرجل جامدًا صامتًا كأن الضربة قد أتت من السماء؛ فمن الكفر أن يتجاسر أو يرفع عينيه ليرى من أنزلها. وإن تبسم لرجل آخر قال الجميع ما أسعده فتى رضي عنه الشيخ عباس.

الشتاء الطويلة فيذهب إليه الواحد بعد الآخر ويتضرع أمامه باكيًا مستعطفًا لكي يقرضه دينارًا أو مكيالًا من الحنطة فكان الشيخ عباس يجيب سؤالهم مسرورًا لعلمه بأنه سيستوفي الدينار دينارين ومكيال الحنطة مكيالين عندما تجيء أيام البيادر والموسم. وهكذا كان يبقى أولئك التعساء مُثْقَلِينَ بديون الشيخ عباس مكبلين بحاجتهم إليه خائفين غضبه طالبين رضاه.

ولا عمل لهم يفنون الحياة بجانب المواقد متذكرين مآتي الأجيال الغابرة مرددين على مسامع بعضهم حكايات الأيام والليالي.

انقضى كانون الأول وقضى العام العجوز متنهدًا أنفاسه الأخيرة في الفضاء الرمادي وجاءت الليلة التي يتوج فيها الدهر رأس عام الطفل ويُجلسه على عرش الوجود.

يكتب عليها الموت سطورًا مبهمة ثم يمحوها، وفصل الضباب بين القرى المنثورة على كتفي الوادي وتوارت الأنوار الضئيلة التي كانت تشعشع في نوافذ البيوت والأكواخ الحقيرة، وقبضت الرعبة على نفوس الفلاحين وانزوت البهائم بقرب المعالف واختبأت الكلاب في القراني ولم يبق سوى الريح تخطب وتضج على مسامع الكهوف والمغاير فيتصاعد صوتها الرهيب من أعماق الوادي تارة وطورًا ينقض من أعالي قمم الجبال، فكأن الطبيعة قد غضبت لموت العام العجوز فقامت تأخذ بثأره من الحياة المختبئة في الأكواخ وتحاربها بالبرد القارس والزمهرير الشديد.

بتدرج من دير قزحيا(١) إلى قرية الشيخ عباس وقدأ يبَّس البرد مفاصله وانتزع الجوع والخوف قواه وأخفت الثلوج ثوبه الأسود كأنها تريد أن تكفنه قبل أن تميته، فكان يخطو إلى الأمام والأرياح تصده وترجعه إلى الوراء كأنها أبت أن تراه في منازل الأحياء، وتتشبث الطريق الوعرة بأقدامه فيسقط ثم ينهك ثم يصرخ بأعلى صوته مستغيثًا ثم يخرسه البرد فيقف صامتًا مرتجفًا فكأنه العناصر المتحاربة كالأمل الضعيف بين اليأس الشديد والحزن العميق، أو كعصفور مكسور الجناحين سقط في النهر فحمله التيار الغضوب إلى الأعماق.

وظل الشاب سائرًا والموت يتبعه حتى خارت قواه وانحطت عزيمته وتَجَمَّدَتِ الدماء في عروقه فارتمى على الثلوج وصرخ صوتًا هائلًا هو بقية الحياة في جسده صوت خائف قد رأى خيال الموت وجهًا لوجه، صوت منازع قانط أتلفته الظلمة وقبضت عليه العاصفة لترمي به إلى الهاوية، صوت محبة الكيان في فضاء العدم.

في الجهة الشمالية من تلك القرية كوخ صغير منفرد بين الحقول تسكنه امرأة تدعى راحيل مع ابنتها مريم غير المتجاوزة الثامنة عشرة من سنيها، هذه المرأة هي أرملة سمعان الرامي الذي وُجِدَ قتيلًا في البَرِّيَّةِ منذ خمسة أعوام ولم يُعْرَفْ قاتله بعد.

كانت راحيل مثل جميع الأرامل الفقيرات تعيش بالاجتهاد والعمل مخافة الموت والفناء، فكانت تخرج أيام الحصاد وتلتقط السنابل المتروكة في الحقل وفي أيام الخريف كانت تجمع فضلات الأثمار المنسية في البساتين وفي الشتاء كانت تغزل الصوف وتخيط الأثواب لقاء دريهمات قليلة أو مكيال من الذرة، وكانت جميع أعمالها مقرونة بالثبات والصبر والاعتناء، أما ابنتها مريم فكانت صبية جميلة هادئة تشاطر والدتها الأتعاب وتساهمها أعمال البيت.

الصلاة أشباح التعزية إلى كبد الفقير الحزين.

انتصف الليل والمرأتان جالستان تسمعان ولولة الأرياح خارجًا ومن وقت إلى آخر كانت الصبية تقف وتفتح الكوة الصغيرة وتنظر نحو الفضاء المظلم ثم تعود إلى مكانها مضطربة مرتعبة من غضب العناصر.

في تلك الدقيقة تَحَرَّكَتِ الصبية فجأة كأنها استيقظت من سبات نوم عميق والتفتت بوجل نحو أمها وقالت بسرعة «هل سمعتِ يا أماه، هل سمعت صوت صارخ مستغيث»

فرفعت الوالدة رأسها وأصغت هنيهة ثم أجابت: «لا لم أسمع سوى عويل الأرياح يا ابنتي»

قالت هذه الكلمات وانتصبت واقفة وفتحت الكوة وأصغت دقيقة ثم قالت «قد سمعت الصراخ ثانية يا أماه»

فأجابت الأم وقد أسرعت مرتاعة نحو النافذة (وأنا قد سمعت أيضًا … تعالَيْ نفتح الباب وننظر … أوصِدِي النافذة كي لا تطفئ الريح السراج)

قالت هذا والتفَّت برداءٍ طويل وفتحت الباب وخرجت بقدم ثابتة وبقيت مريم واقفة في الباب والهواء يتلاعب بجدائل شعرها.

رمية سهم حتى رأت أثر أقدام غارقة في الثلج قد أوشكت الأرياح أن تمحوها فاتبعتها بسرعة جازع مترقب وبعد هنيهة نظرت فرأت أمامها جسدًا مطروحًا على الثلج كرقعة سوداء على ثوب ناصع البياض، فتقدمت وذرت الثلج عنه وأسندت رأسه على ركبتيها ووضعت يدها على صدره وإذ شعرت بنبضات قلبه المتهاونة التفتت نحو الكوخ وصرخت قائلة(هلمي يا مريم هلمي إلى معونتي فقد وجدته)

إلى البيت)

المسكين يخاطر بحياته؟)

فقالت الصبية مستدركة (ولكن هو أمرد يا أماه وللرهبان لحى كثيفة) فنظرت إليه الوالدة وقد انسكبت الرأفة الوالدية من عينيها وقالت متنهدة(جففي قدميه جيدًا يا ابنتي راهبًا كان أم مجرمًا)

وفتحت راحيل الخزانة الخشبية وأخرجت منها جرة صغيرة مملوءة خمرًا وسكبت منها في إناء من الفخار ثم قالت لابنتها (أسندي رأسه يا مريم لنجرعه قليلًا من الخمر فينتعش وتعود الحرارة إلى جسده)

مخالب الموت- نظرة الأمل بعد اليأس. ثم ألوى عنقه وخرجت هذه الكلمات من بين شفتيه المرتعشتين (ليبارككما الله)

فقالت راحيل وقد وضعت يدها على كتفه (لا تزعج نفسك بالكلام يا أخي بل ابْقَ صامتًا حتى تعود إليك القوة)

وقالت مريم (اتكئ يا أخي إلى هذا المسند واقترب قليلًا من الموقد)

فقالت راحيل بصوت تمتزج بمقاطعه عاطفة الأمومة بعذوبة الطمأنينة(كيف تَجَرَّأْتَ يا أخي وتركت الدير في هذه الليلة التي تخافها الذئاب وتنزوي بالكهوف وتهابها العقبان فتختبئ بين الصخور؟)

فأغمض الشاب عينيه كأنه يريد أن يعيد بأجفانه الدموع إلى أعماق قلبه ثم قال (للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أن يسند رأسه) فقالت راحيل هكذا قال يسوع الناصري عن نفسه عندما طلب إليه أحد الكتبة أن يتبعه إلى حيث يذهب.

فسكتت راحيل مفكرة بمعنى كلماته ثم قالت بشيء من التردُّد.ولكن في الدير غرف عديدة رحبة، وخزائن طافحة بالذهب والفضة، وأقبية مملوءة بالغلة والخمور، وزرائب غاصَّة بالعجول والكبوش المسمنة، فأي أمر جعلك تترك جميع هذه الأشياء وتخرج في مثل هذه الليلة؟»

فقال الشاب متنهدًا. قد تركت جميع هذه الأشياء وخرجت كرهًا من الدير.

فكيف يطلب منك رئيس دير قزحيا أن تسلم حياتك إلى العواصف والثلوج؟)

Use the ← → keys to move between chapters.

خليل الكافر · 1 · Spirits Rebellious — Kahlil Gibran · The Conscious Library