Chapter 1 of 4
أيها الولد · 1
اعلم أيها الولد المحب العزيز أطال الله تعالى بقائك بطاعته وسلك بك سبيل أحباؤه أن منشور النصيحة يكتب من معدن الرسالة عليه الصلاة والسلام إن كان قد بلغك منه نصيحة فأي حاجة لك في نصيحتي ، وإن لم يبلغك فقل لي: ماذا حصلت في هذه السنين الماضية ؟!
أيها الولد
من جملة ما نصح به رسول الله ﷺ أمته قوله " علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه ، وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته ، ومن جاوز الأربعين ، ولم يغلب خيره شره فليتجهز للنار".
وفى هذه النصيحة كفاية لأهل العلم.
أيها الولد
النصيحة سهلٌ ، والمُشْكِلُ قَبولُها ، لأنَّها في مذاقِ متَّبعِي الهوى مرٌّ ؛ إذِ المناهي محبوبةٌ في قلوبِهِم، على الخصوص مَنْ كانَ طالبَ العلمِ الرسميِّ ، مشتغلَ في فضلِ النفسِ ومناقب الدنيا ؛ فإِنَّهُ يَحْسَبُ أَنَّ العِلْمَ المُجَرَّدَ لَهُ وسيلةٌ ، سَيَكُونُ نَجَاتُهُ وَخَلَاصُهُ فِيهِ ، وأَنَّهُ مُسْتَغْن عَنْ العَمَلَ ، و هذا اعْتِقَادُ الفَلَاسِفَةِ. سبحان الله العظيم!! لا يَعْلَمُ هذَا القّدْرَ أَنَّهُ حين حصَّل العلمَ إذا لم يعمل به.. تكون الحُجَّةُ عليه آكدَ ؛ كما قال رسول الله ﷺ: " إنَّ أشدَّ النَّاسِ عَذاباً يومَ القِيامَةِ.. عالمٌ لمْ ينْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ"
وروى: أن الجنيد - رحمه الله - رئى في المنام بعد موته ، فقيل له: ما الخبر يا أبا القاسم؟ قال: طاحت العبارات، وفنيت الإشارات ، وما نفعنا إلا ركعات ركعناها في جوف الليل.
أيها الولد
لا تكنْ مِنَ الأَعْمالِ مُفْلِساً ، ولا مِنَ الأَحْوالِ خَالِياً ، وتَيَقَّنْ أَنَّ العِلْمَ المُجَرَّدَ لا يَأخُذُ بِاليَدِ. مِثَالُهُ: لَوْ كانَ على رَجُلٍ في بَرِّيَّةٍ عَشْرَةُ أَسْيافٍ هِنْدِيَّةٍ مَعَ أَسْلِحَةٍ أُخْرَى ، وَكَاَن الرَّجُلُ شُجَاعاً وأَهْلَ حَرْب ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَسَدٌ عَظِيمٌ مَهيبٌ فَمَا ظَنُّكَ ؟ هَلْ تَدْفَعُ الأَسْلِحَةُ شَرَّهُ عَنْهُ بِلا اسْتِعْمالِها وضَرْبِها ؟! ومِنَ المَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تَدْفَعُ إِلَّا بالتَّحْرِيكِ والضَّرْبِ. فَكَذَا لَوْ قَرأَ رَجُلُ مِائَةَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ وتَعَلَّمَهَا ولم يَعْمَلْ بِهَا ، لا تُفِيدُهُ إِلَّا بِالعَمَلِ.
ومِثَالُهُ أيضاً: لَوْ كَان لرَجُلٍ حَرَارَةٌ و مَرَضٌ صَفْرَاوِي يَكُونُ عِلاجُهُ بالسَّكَنْجَبِينِ و الكَشكَاب فَلا يَحْصُلُ البُرْءُ إلَّا باسْتِعْمَالِهِمَا.
كَرْ مَيْ دُو هَزَار رِطْل بَيْمايي … تا مَيْ نَخُوري نبا شَدَتْ شيدايي. "ملاحظة: معناه: إن كِلْتَ ألفي رِطْلِ خَمْراً …. لا تكون سكرانَ ومجنونا ما لم تشربها"
أيها الولد
أيها الولد لو قرأت العلم مائة سنة ، وجمعت ألف كتاب ، لا تكون مستعدا لرحمة الله إلا بالعمل لقوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" وقوله تعالى " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " وقوله "جزاء بما كانوا يكسبون " وقوله "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات".
أيها الولد ما لم تعمل لن تجد أجرا.
حكي أن رجلا من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة ، فأراد الله تعالى أن يجلوه على الملائكة فأرسل الله إليه ملكا يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق به دخول الجنة، فلما بلغه قال العابد: نحن خلقنا للعبادة ، فينبغي لنا أن نعبده. فلما رجع الملك قال الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ قال: إلهي ، أنت أعلم بما قال، فقال الله تعالى: إذا هو لم يعرض عن عبادتنا ، فنحن – مع الكرم- لا نعرض عنه، أشهدوا يا ملائكتي أنى قد غفرت له.
وقال الحسن رحمه الله: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب.
أيها الولد
عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، وأعمل ما شئت فإنك مجزى به.
أيها الولد
إني رأيت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: من ساعة يوضع الميت على الجنازة إلى أن يوضع على شفير القبر يسأل الله بعظمته منه أربعين سؤالا ، أوله: يقول "عبدي طهرت منظر الخلق سنين وما طهرت منظري ساعة".
أيها الولد
العلم بلا عمل جنون ، والعمل بغير علم لا يكون.
أيها الولد
اجعل الهمة في الروح، والهزيمة في النفس ، والموت في البدن ، لأن منزلك القبر وأهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم ، إياك إياك أن تصل إليهم بلا زاد. وقال أبو بكر الصديق: هذه الأجساد قفص طيور وإصطبل الدواب ، فتفكر في نفسك من أيهما أنت؟
إن كنت من الطيور العلوية فحين تسمع طنين طبل ربك "أرجعى إلى ربك " تصير صاعدا إلى أن تقعد في أعالي بروج الجنان ، كما قال رسول الله ﷺ: "واهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ".
والعياذ بالله إن كنت من الدواب كما قال الله تعالى " أولئك كالأنعام بل هم أضل" فلا تأمن انتقالك من زاوية الدار إلى هاوية النار.
وروى أن الحسن البصري رحمه الله تعالى أعطى شربة ماء بارد ، فلما أخذ القدح غشي عليه وسقط من يده ، فلما أفاق قيل له: مالك يا أبا سعيد ؟ قال: ذكرت أمنية أهل النار حيث يقولون لأهل الجنة: " أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله".
أيها الولد
لو كان العلم المجرد كافيا لك ، ولا تحتاج إلى عمل سواه لكان نداء الله تعالى: "هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ " ضائعا بلا فائدة.
وروى أن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذكروا عبد الله بن عمر عند رسول الله ﷺ فقال: " نعم الرجل هو لو كان يصلى بالليل ".
Use the ← → keys to move between chapters.