Skip to content
The ConsciousLibrary

Chapter 4 of 9

مضجع العروس

خرج العريس والعروس من الهيكل يتبعهما المهنئون الفارحون وتتقدمهما الشموع والمصابيح، ويسير حولهما الفتيان المترنِّمون بالأهازيج والصبايا المنشدات أغاني السرور.

حسناء مستحضرًا إلى حافظته أعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهنالك كهل يجرع الكأس وراء الكأس ويطلب بلجاجة إلى المنشدين إعادة أغنية ذكرته بأيام صبابته، في هذه القرنة امرأة تغامز بأطراف أجفانها رجلًا ينظر بمودة إلى سواها، وفي تلك الزاوية سيدة قد بَيَّضَ الشيب مفرَقها تنظر مبتسمة نحو الصبايا لتنتقي منهنَّ عروسة لوحيدها، وبجانب تلك النافذة زوجة قد اتحذت سُكْرَ حليلها فرصة فاقتربت من خليلها وجميعهم غارقون في بحر من الخمر والغزل مستسلمون إلى تيار الغِبطة والسرور متناسون حوادث الأمس منصرفون عن مآتي الغد منعكفون على استثمار دقائق الحاضر.

جدران سجنه السوداء. وتتلفت بين الآونة والأخرى نحو زاوية من زوايا تلك القاعة حيث جلس فتى في العشرين من عمره منفردًا عن الناس المغبوطين انفراد الطائر الجريح عن سربه، مكبلًا زنديه على صدره كأنه يحول بهما بين قلبه والفرار محدقًا بشيء غير منظور في فضاء تلك القاعة كأن ذاته المعنوية قد انفصلت عن ذاته الحسية وسبحت في الخلاء متبعة أشباح الدجى.

انتصف الليلُ وتعاظمت غبطة الجماعة حتى صارت ثورة، واختمرت أدمغتهم حتى تلجلجت ألسنتهم، فقام العريس من مكانه وهو كهل خشن المظاهر وقد تغلب السكر على حواسه وطاف يتكلف اللطف والرقة بين الناس.

قولي له هي هالكة شقية تريد أن ترى نور عينيك قبل أن تختطفها نار الجحيم، قولي له هي خاطئة تريد أن تعترف بذنوبها وتلتمس عفوك، أسرعي إليه وابتهلي عني أمامه ولا تخافي مراقبة هؤلاء الخنازير لأن الخمور قد سَدَّتْ آذانهم وأعمت بصائرهم»

قال هذه الكلمات وقام من مكانه وخرج إلى الحديقة

هلمَّ نسرع فهذه الدقائق أثمن من حبات الألماس وأغلى من تيجان الملوك»

كانت العروس تتكلم وفي صوتها نغمة أعذب من همس الحياة وأَمَرُّ من عويل الموت وألطف من حفيف الأجنحة وأعمق من أنين الأمواج، نغمة تتموج نبضاتها بين اليأس والأمل، واللذة والألم، والفرح والشقاء، وكل ما في صدر الامرأة من الميول والعواطف.

وبعد أحيان خرساء هائلة شبيهة بالأجيال المظلمة التي تتمايل فيها الأمم بين النهوض والاضمحلال، رفع الشاب رأسه وقد تَغَلَّبَ شَرَفُ نَفْسِهِ على مَيْلِهَا وحول عينيه عن الصبية الخائفة المترقبة وقال بهدوء «ارجعي أيتها الامرأة إلى ذراعي عريسك فقد قُضي الأمر ومحت اليقظة ما صوَّرته الأحلام. أسرعي إلى أحضان المسرات قبل أن تراك أعين الرقباء فيقول الناسُ قد خانت عريسها في ليلة العرس مثلما خانت حبيبها أيام البعاد»

المنفى، فلا تبعدني عنك ولا تقل بأنني خائنة؛ لأن يد الحب الذي مزجت روحي بروحك هي أقوى من يد الكاهن التي أسلمت جسدي إلى مشيئة العريس، ها قد طوقت ذراعيَّ حول عنقك فلا تحلهما القوات وقربت نفسي إلى نفسك فلا يفرقهما الموت»

فقال الشاب محاولًا الخلاص من ذراعيها متكلفًا إظهار المقت والاشمئزاز: «ابتعدي عني أيتها المرأة فقد سلوتك، نعم سلوتكِ وكرهتكِ وتعلقت بهوى غيرك، فلم يقل الناس غير الصحيح. هل سمعت ماذا أقول؟ قد سلوتك حتى نسيت وجودك وكرهتك حتى أبت نفسي مرآك فابتعدي عني ودعيني أذهب في سبيلي، وعودي إلى عريسك وكوني له زوجة أمينة»

تحبني وقد قرأت معنى الحب في عينيك وشعرت بملامسه عندما لمست جسدك، أنت تحبني وتحبني وتحبني مثلما أحبك فأنا لا أترك هذا المكان إلا بجانبك ولن أدخل هذا المنزل وفي نفسي بقية من الإرادة، قد جئت لكي أتبعك إلى آخر الأرض فسِرْ أمامي وارفع يدك وأهرق دمي»

فقال الشاب وقد رفع صوته عن ذي قبل: «اتركيني أيتها الامرأة وإلا صرخت بأعلى صوتي وجمعت في هذه الحديقة أولئك الناس المدعوين إلى أفراح عرسك وأريتُهم عارك وجعلتك مضغة مرة في أحناكهم ومثلًا قبيحًا على ألسنتهم وأوقفت نجيبة التي أحبها قلبي تسخر بك وتبتسم فارحة بانتصارها مستهزئة بانغلابك»

ملامحها وأبرقت عيناها وتحولت بكليتها من الاستعطاف والرجاء والتوجع إلى الغضب والقساوة وصارت كلبوة فقدت أشبالها أو كبحر أثارت أعماقه الزوابع ثم صرخت (من هي التي تتمتع بحبك بعدي وأي قلب يسكر بقُبَلِ شفتيك غير قلبي!).

رنين كؤوسهم يا حبيبتي، لقد أنقذتني يا ليلى من قساوة هذه القهقهة ومرارة تلك الكؤوس فدعيني أُقَبِّل اليد التي كسرت قيودى، قَبِّلِي شفتيَّ، قبلي شفتي اللتين تكلفتا الكذب وأخفتا أسرار قلبي، أغمضي أجفاني الذابلة بأصابعك المغموسة بدمي، وعندما تطير روحي في الفضاء ضعي الخنجر في يميني وقولي لهم قد انتحر يأسًا وحسدًا، قد أحببتك يا ليلى ولم أحب سواك ولكنني رأيت تضحية قلبي وسعادتي وحياتي أفضل من الهرب بك في ليلة عرسك.. قبليني يا حبيبة نفسي قبل أن يرى الناس جثتى، قلبيني.. قبليني..يا ليلى)

ووضع المصروع يده فوق قلبه المطعون ولوى عنقه وفاضت روحه!

بصوت هائل (تعالوا، تعالوا أيها الناس، فهنا العرس وهذا العريس، هلموا لنريكم مضجعنا الناعم، استيقظوا أيها النيام وانتبهوا أيها السكارى وأسرعوا لنريكم أسرار الحب والموت والحياة)

جميع زلات هذا العالم»

حينئذٍ رفعت العروس خنجرها نحو العلاء ونظير ظامئ يقرب حافة الكأس إلى شفتيه أغمدته بعزم في صدرها وهبطت بجانب حبيبها نظير زنبقة قطع عنقها حد المنجل، فتململت النساء وصرخن صراخ الخوف والألم وأغمي على بعضهن وتصاعد ضجيج الرجال من كل ناحية واقتربوا من المصروعَيْنِ بوجل وهيبة.

فنظرت إليهم العروس المنازعة وقالت ونجيع الدماء ينهل بغزارة من صدرها البلوري: «لا تقتربوا أيها العاذلون ولا تفصلوا بين جسدينا، وإن حاولتم فالروح الحائمة فوق رؤوسكم تقبض على أعناقكم وتخنقكم بعنف وقساوة، دعوا هذه الأرض الجائعة تلوك جسدينا لقمة واحدة، دعوها تخفينا وتحمينا في صدرها مثلما تحمي البذور من ثلوج الشتاء حتى يجيء الربيع»

الباردتين وخرجت هذه الكلمات المتقطعة مع أنفاسها الأخيرة «انظر يا حبيبي-انظر يا عريس نفسي كيف وقف الحساد حول مضجعنا- انظر عيونهم المحدقة بنا، واسمع صرير أسنانهم وتكسير ضلوعهم، قد انتظرتني طويلًا يا سليم فها أنذا. قد كسرت القيود وفككت السلاسل فلنسرعن نحو الشمس فقد طال وقوفنا في الظل، ها قد امَّحت الرسوم وانحجبت الأشياء فلم أعد أرى سواك يا حبيبي، ها شفتاي فاقتبل أنفاسي الأخيرة، هلم نذهب يا سليم فقد رفع الحب أجنحته وسبح أمامنا نحو دائرة النور»

وألقت العروس صدرها على صدر حبيبها فامتزجت دماؤها بدمائه وأحنت رأسها على عنقه وظلت عيناها محدقتين بعينيه.

فتقدمت سوسان، تلك الصبية التي بعثتها العروس رسولًا إلى حبيبها، ووقفت أمام الكاهن ونظرت إليه بعينين مغرورقتين بالدموع وقالت بشجاعة «أنا أبقى هنا أيها الكافر الأعمى وانا أحرسهما حتى يجيء الفجر وأنا أحفر لهما قبرًا تحت هذه الأغصان المتدلية، فإن منعتم عني محفرًا مزقت صدر الأرض بأصابعي، وإن ربطتم ساعدي حفرته بأسناني، أسرعوا من هذا المكان المملوء برائحة البخور واللبان فالخنازير تأبى استنشاق العطور الزكية، واللصوص الخاطفة تهاب رَبَّ البيت وتخشى قدوم الصباح، أسرعوا إلى مضاجعكم المظلمة لأن أغاني الملائكة المتموجة فوق شهيدَيِ الحب لا تدخل آذانكم المسدودة بالتراب»

وتفرق الناس من أمام وجه الكاهن العبوس ولبثت تلك الصبية واقفة بقرب الجثتين الهامدتين كأنها أم رَقُوبٌ تحرس طفليها في سكينة الليل ولما توارى الجمع وخلا ذلك المكان استسلمت للبكاء والنحيب.

Use the ← → keys to move between chapters.

مضجع العروس · Spirits Rebellious — Kahlil Gibran · The Conscious Library