Skip to content
The ConsciousLibrary

Chapter 7 of 9

خليل الكافر · 3

أفلا يغلقون آذانَهم إذا ما قلت لهم بأن الذي يغادر الدير ليعيش بينهم يكون كالطائر الذي يخرج من ظلمة القفص إلى النور والحرية؟ وماذا يقول الشيخ عباس العائش بين هؤلاء الفلاحين المساكين كالأمير بين العبيد إذا ما سمع حكايتي؟ وماذا يفعل كاهن القرية إذا ما رددوا على مسامعه تلك الأقوال التي سببت طردي من الدير؟»

كان خليل يناجي نفسه وهو جالس بقرب الموقد يتأمل بألسنة النار الشبيهة بعواطفه، أما مريم فكانت تختلس النظرات إليه وتقرأ أحلامه في ملامح وجهه وتسمع صدى أفكاره خارجًا من صدرها وتشعر بخيالات هواجسه متمايلة حول قلبها.

عيناه بعينيها تنهَّد تنهيدة محرقة ثم حول وجهه وأغمض أجفانه كأن نفسه قد تركته وسبحت ساعية في أعماق اللانهاية باحثة عن كلمة تقولها.

وبعد هنيهة تشجعت مريم وسألته قائلة: «إلى أي مكان تذهب عندما تذوب هذه الثلوج وتنفتح الطرقات»

فأجابها وقد فتح عينيه الكبيرتين وأحدق بالأفق البعيد «سوف أتبع الطريق إلى حيث لا أعلم»

فارتعشت روح مريم ثم قالت متنهدة «لماذا لا تسكن في هذه القرية وتبقى قريبًا مِنَّا، أليست الحياة ههنا أفضل من الغربة البعيدة»

فأجابها وقد اضطربت أحشاؤه لرقة كلماتها ونغمة صوتها «إن سكان هذه القرية لا يقبلون المطرود من الدير جارًا لهم، ولا يسمحون له أن يتنفس الهواء الذي يحييهم؛ لأنهم يحسبون عدو الرهبان كافرًا بالله وقديسيه»

سكان هذه القرى يا مريم قد تعلَّمُوا من الرهبان والكهان بُغْضَ كل من يفتكر لذاته، فصاروا يقلدونهم ويبتعدون مثلهم عن جميع الذين يريدون أن يصرفوا حياتهم فاحصين لا تابعين، فإذا بقيت في هذه القرية وقلت لسكانها تعالوا يا إخوتي نعبد ونصلي حسب مشيئة نفوسنا لا مثلما يريد الرهبان والقسس لأن الله لا يريد أن يكون معبودًا من الجاهل الذي يقلد غيره يقولون هذا ملحد يعاند السلطة التي وضعها الله في أيدي كهانه. وإن قلت لهم أصغوا يا إخوتي واسمعوا صوت قلوبكم واعملوا إرادة الروح الكائنة في أعماقكم يقولون هذا شرير يريدنا أن نكفر بالوسائط التي أقامها الله بين السماء والأرض »

الله، في هذه القرية زهرة نابتة بين الأشواك يستميل جمالها نفسي ويملأ عطرها كبدي فهل أترك هذه الزهرة وأذهب مبشرًا بالمبادئ التي أبعدتني عن الدير أم أبقى بجانبها وأحفر لأفكاري وأحلامي قبرًا بين الأشواك المحيطة بها، ماذا أفعل يا مريم؟)

سمعت مريم هذه الكلمات فاهتزت قامتها مثلما ترتعش الزنبقة أمام نسيم السحر، وفاضت أشعة قلبها من مقلتيها فقالت والحياء يغالب لسانها:(كلانا بين يدي قوة خفية عادلة رحومة فلندعها تفعل ما تشاء بنا)

منذ تلك الدقيقة تمازجت عواطف خليل بعواطف مريم وصارت نفساهما شعلة واحدة متقدة ينبعث منها النور وتتضوع حولها البخور.

الأديان على الشعب، هي علة مزمنة قابضة بأظافرها على عنق الجامعة البشرية ولن تزول إلا بزوال الغباوة من هذا العالم عندما يصير عقل كل رجل ملكًا ويصبح قلب كل امرأة كاهنًا.

ابن الشرف الموروث يبني قصره من أجساد الفقراء الضعفاء، والكاهن يقيم الهيكل على قبور المؤمنين المستسلمين، الأمير يقبض على ذراعي الفلاح المسكين والكاهن يمد يده إلى جيبه، الحاكم ينظر إلى أبناء الحقول عابسًا والمطران يلتف نحوهم مبتسمًا، وبين عبوسة النمر وابتسامة الذئب يفنى القطيع، الحاكم يدعي تمثيل الشريعة والكاهن يدعي تمثيل الدين وبين الاثنين تفنى الأجساد وتضمحل الأرواح.

وفي لبنان — ذلك الجبل الغني بنور الشمس الفقير إلى نور المعرفة — قد اتحد الشريف والكاهن على الفقير الضعيف الذي يحرث الأرض ويستغلها كيما يحمي جسده من سيف الأول ولعنة الثاني.

​ ابن الشرف الموروث يقف في لبنان بجانب قصره ويصرخ باللبنانين قائلًا «قد أقامني السلطان وليًّا على أجسادكم» والكاهن ينتصب أمام المذبح هاتفًا «قد أقامني الله وصيًّا على أرواحكم» أما اللبنانيون فيظلون صامتين لأن القلوب المغلغلة بالتراب لا تنكسر لأن الأموات لا يبكون.

فالشيخ عباس الذي كان في تلك القرية وليًّا وحاكمًا وأميرًا كان محبًّا لرهبان الدير، محافظًا على تعاليمهم وتقاليدهم لأنهم كانوا يشاركونه بقتل المعرفة وإحياء الطاعة في نفوس حارثي حقوله وكرومه.

سمعان الرامي.

ولم يكتف الخوري إلياس بإبلاغ الشيخ هذا الخبر بل زاد قائلًا: «إن الشيطان الذي يُطرد من الدير لا ينقلب ملاكًا في هذه القرية، والتينة التي يقطعها رب الحقل ويلقيها في النار لا تعطي أثمارًا جيدة وهي في الموقد، فإن كنا نريد أن تبقى هذه القرية سالمة من جراثيم العلل الخبيثة فعلينا أن نطرد هذا الشاب من منازلنا وحقولنا مثلما طردَهُ الرهبان من الدير»

فسأله الشيخ عباس قائلًا: «وكيف عرفت بأن هذا الشاب سيكون في هذه القرية كالعلة الخبيثة؟ أليس أفضل أن نبقيه عندنا ونجعله ناطورًا للكروم أو راعيًا للبقر؟ نحن بحاجة ماسة إلى العمال فإذا ما جلبت لنا الطريق فتى قوي الساعدين نسترضيه ولا نطرده»

وقطعانه لا تحصى، وقد أخبرني مكاري الدير الذي بات عندي ليلة أمس بأن هذا الشاب كان يردد على مسامع الرهبان آيات الكفر مقرونة بألفاظ ثورية تدل على طيشه وخباثته، فقد تجاسر مرات عديدة وخطب فيهم قائلًا (أرجعوا حقول الدير وكرومه وأمواله إلى سكان هذه القرى الفقراء وتفرَّقوا إلى كل ناحية وذاك خير من الصلاة والعبادة) وأخبرني المكاري أيضًا بأن قساوة التوبيخ وأوجاع الجلد بالسياط وظلمة السجن لم تُعِدْ لهذا الكافر صوابه بل كانت تغذي الشيطان القابض على نفسه مثلما تكثر أوساخ المزابل عدد الحشرات»

وإن قاومتكم تلك الامرأة فاقبضوا عليها وجروها على الثلج بجدائل شعرها لأن من يساعد الشرير يكون شريرًا»

فأحنى الخدام رؤوسهم وخرجوا مسرعين ليتمموا مشيئة سيدهم، وبقي الشيخ عباس والكاهن يتحدثان عما يجب أن يفعلاه بالشاب المطرود وراحيل الأرملة.

توارى النهار وقَدِمَ الليلُ ناشرًا خيالاته بين تلك الأكواخ المكتنفة بالثلوج، وظهرت النجوم في ذلك الفضاء المظلم البارد ظهور الأمل بالخلود من وراء أوجاع النزاع والموت، فأوصد الفلاحون الأبواب والنوافذ وأشعلوا السراج وجلسوا يصطلون بقرب الموقد غير حافلين بأشباح الليل السائرة حول بيوتهم.

وشهقت مريم مرتاعة أما خليل فلبث هادئًا كأن نفسه الكبيرة قد تنبأت وعلمت بمجيء هؤلاء الرجال قبيل مجيئهم، فاقترب أحد الخدام وألقى يده بعنف على كتف خليل وقال بصوت أجش «ألست أنت الشاب المطرود من الدير؟» فأجابه خليل ببطء: «أنا هو فماذا تريدون»

فقال الرجل «نريد أن نسير بك مكتوفًا إلى منزل الشيخ عباس وإن أبديت ممانعة نجرك على الثلج كالخروف المذبوح»

فانتصبت راحيل وقد اصفر وجهها وتجعدت جبهتها وقالت بصوت مرتجف «أي ذنب أتاه أمام الشيخ عباس ولماذا تريدون جره مكتوفًا»

وقالت مريم ونغمة الرجاء والاستعطاف تمازج صوتها «هو فرد وأنتم ثلاثة فمن الجبانة أن تتحالفوا على إذلاله وتعذيبه»

وانتشل من وسطه حبلًا متينًا وهم ليوثق به كتفي خليل، فوقف الشاب ولم تتغير ملامحه بل ظل رأسه مرفوعا كالبرج أمام الزوبعة وسالت على شفتيه ابتسامة محزنة ثم قال: «أنا أشفق عليكم أيها الرجال لأنكم آلة قوية عمياء في يد مبصر ضعيف يظلمكم ويسحق الضعفاء بسواعدكم، أنتم عبيد الغباوة، والغباوة هي أشد اسودادًا من بشرة الزنوج، وأكثر استسلامًا للحيف والقساوة، كنت بالأمس مثلكم أيها الرجال وغدًا تصيرون مثلي، أما الآن فبيننا هُوَّةٌ عميقة مظلمة تمتص ندائي وتحجب حقيقتي عنكم فلا تسمعون ولا تبصرون، ها أنذا فشدوا ساعدي وافعلوا بي ما شئتم»

به ساكتين شاعرين بشيء من الألم بين تلافيف ضمائرهم. فاتبعتهم راحيل ومريم ونظير بنات أورشليم عندما اتبعن يسوع إلى الجلجلة سارتا خلف خليل نحو منزل الشيخ عباس.

إن الأخبار كبيرة كانت أم تافهة تنتقل بسرعة الفكر بين الفلاحين في القرى الصغيرة، لأن بُعدهم عن مشاغل الاجتماع المتتابعة يجعلهم أن ينصرفوا بكليتهم إلى استقصاء ما يحدث في محيطهم المحدود، وفي أيام الشتاء عندما تكون الحقول والبساتين راقدة تحت لُحف الثلوج وتنزوي الحياة خائفة مستدفئة حول المواقد يصير القرويون أشد رغبة وأكثر ميلًا إلى استطلاع الأخبار لكي يملأوا بتأثيراتها أيامهم الفارغة ويصرفوا باستفسارها لياليهم الباردة.

Use the ← → keys to move between chapters.

خليل الكافر · 3 · Spirits Rebellious — Kahlil Gibran · The Conscious Library