Chapter 3 of 9
صراخ القبور
مثلما تظهر حنجرة الوحش الكاسر عندما يفتح فكيه متثائبًا، وتصاعدت من جوانبه قلقلة القيود والسلاسل متآلفة مع أنين الحبساء ونحيبهم، فحَوَّل الحاضرون أعينهم، وتطاولت أعناقهم كأنهم يريدون مسابقة الشريعة بنواظرهم؛ ليروا فريسة الموت خارجة من أعماق ذلك القبر.
وبعد هنيهة خرج من السجن جنديان يقودان فتى مكتوف السَّاعدين يتكلم وجهه العابس، وملامحه المنقبضة عن عِزَّةِ في النفس وقوة في القلب، وأوقفاه وسط المحكمة وتراجعا قليلًا إلى الوراء، فأحدق به الأمير دقيقة ثم سأل قائلًا: «ما جريمة هذا الرجل المنتصب أمامنا برأس مرفوع كأنه في موقف الفخر لا في قبضة الدينونة؟»
في يده»
فتحرك الأمير غضبًا فوق عرشه، وتطايرت سهام الحنق من عينيه، وصرخ بأعلى صوته قائلًا: «أرجعوه إلى الظلمة، وأثقلوا جسده بالقيود وعندما يجيء فجر الغد اضربوا عنقه بحد سيفه، ثم اطرحوا جثته في البَرِّيَّةِ؛ لتجردها العقبان والضواري، وتحمل الرياح رائحة نتانتها إلى أنوف أهله ومحبيه.»
أرجَعُوا الشاب إلى السجن والناس يتبعونه بنظرات الأسف والتنهيدات العميقة؛ لأنه كان فتى في ربيع العمر حسن المظاهر قوي البنية.
وخرج الجنديان ثانية من السجن يقودان صبية جميلة الوجه ضعيفة الجسد، قد وشح معانيها اصفرار اليأس والقنوط، وغمرت عينيها العبرات، وألوت عنقها الندامة والحسرة.
المهزولة الواقفة أمامنا وقوف الظل بجانب الحقيقة؟»
فأجابه أحد الجنود قائلًا: «هي امرأة عاهرة قد فاجأها بعلها ليلًا، فوجدها بين ذراعي خليلها فأسلمها للشرطة بعد أن فَرَّ أليفها هاربًا.»
فأحدق الأمير بها، وهي مطرقة خجلًا ثم قال بشدة وقساوة: «أرجعوها إلى الظلمة، ومَدِّدُوها على فراش من الشوك لعلها تذكر المضجع الذي دنسته بعيبها، وأسقوها الخل ممزوجًا بنقيع العلقم عساها تذكر طعم القُبَلِ المحرمة، وعند مجيء الفجر جروها عارية إلى خارج المدينة، وارجموها بالحجارة، واتركوا جسدها هناك لكي تتنعم بلحمانه الذئاب، وتنخر عظامه الديدان والحشرات.»
توارت الصبية بظلمة السجن والحاضرون ينظرون إليها بين معجب بعدل الأمير، ومتأسِّف على جمال وجهها الكئيب، ورِقَّة نظراتها المحزنة.
ركبتيه المرتعشتين كأنهما خرقتان من أطراف ثوبه البالي، ويلتفت جزعًا إلى كل ناحية، ومن نظراته الموجعة تنبعث خيالات البؤس والفقر والتعاسة.
فالتفت الأمير نحوه، وقال بلهجة الاشمئزاز: «وما ذنب هذا القذر الواقف كالميت بين الأحياء؟»
فأجابه أحد الجنود قائلًا: «هو لص سارق قد دخل الدير ليلًا، فقبض عليه الرهبان الأتقياء ووجدوا طي أثوابه آنية مذابحهم المقدسة.»
فنظر إليه الأمير نظرة النسر الجائع إلى عصفور مكسور الجناحين، وصرخ قائلًا: «أنزلوه إلى أعماق الظلمة، وكَبِّلُوه بالحديد وعند مجيء الفجر جُرُّوه إلى شجرة عالية واشنقوه بحبل من الكَتَّان، واتركوا جسده معلقًا بين الأرض والسماء، فتنثر العناصر أصابعه الأثيمة نثرًا، وتذري الرياح أعضاءه نتفًا.»
في آذان بعض قائلين: «كيف تجرأ هذا الضعيف الكافر على اختلاس آنية الدير المقدسة»
ونزل الأمير عن كرسي القضاء فاتبعه العقلاء والمتشرِّعون، وسار الجند خلفه وأمامه وتبدد شمل المتفرجين وخلا ذلك المكان إلا من عويل المسجونين، وزفرات القانطين المتمايلة كالخيالات على الجدران.
سلسلة هذه المظالم عدلًا سرمديًّا؟... أتوجد قوة تحول جميع هذه الأسباب الكريهة إلى نتائج جميلة؟! أتوجد قوة تقبض بكفِّها على جميع عناصر الحياة، وتضمها إلى ذاتها مبتسمة مثلما يرجع البحر جميع السواقي إلى أعماقه مترنمًا؟ أتوجد قوة توقف القاتل والمقتول والزانية وخليلها والسارق والمسروق منه أمام محكمة أسمى وأعلى من محكمة الأمير؟
وفي اليوم الثاني خرجت من المدينة، وسرت بين الحقول حيث تبيح السكينة للنفس ما تسره النفس، ويميت طهر الفضاء جراثيم اليأس والقنوط التي تولدها الشوارع الضيقة والمنازل المظلمة، ولما بلغت طرف الوادي التفتُّ فإذا بأجواق كثيرة من العقبان والغربان والنسور تتطاير تارةً، وتهبط طورًا وقد ملأت الفضاء بنعابها وصفيرها وحفيف أجنحتها، فتقدمت قليلًا مستطلعًا، فرأيت أمامي جثة رجل معلقة على شجرة عالية، وجثة امرأة عارية مطروحة بين الحجارة التي رجمت بها، وجثة فتى غارقة بالدماء المجبولة بالتراب، وقد فُصل رأسها عنها.
وقفت وهول المشهد يغشى بصيرتي بنقابٍ كثيفٍ مظلمٍ، ونظرت فلم أَرَ سوى خيال الموت المريع منتصبًا بين الجثث الملطَّخة بالدِّماء، وأصغيت فلم أسمع غير عويل العدم ممزوجًا بنعاب الغربان الحائمة حول فريسة شرائع البشر.
ثلاثة من أبناء آدم كانوا بالأمس على أحضان الحياة، فأصبحوا اليوم في قبضة الموت.
ثلاثة أساءوا بعُرْفِ البشر إلى الناموس، فمدت الشريعة العمياء يدها، وسحقتهم بقساوة.
ثلاثة جعلهم الجهل مجرمين؛ لأنهم ضعفاء فجعلتهم الشريعة أمواتًا لأنها قوية.
رجل فتك برجل آخر، فقال الناس: هذا قاتل ظالم، وعندما فتك به الأمير قال الناس: هذا أمير عادل.
وامرأة خانت بعلها، فقال الناس هي زانية عاهرة، ولكن عندما سيَّرها الأمير عارية ورجمها على رؤوس الأشهاد، قالوا هذا أمير شريف.
سفك الدماء محرمٌ، ولكن من حاله للأمير؟
سَلب الأموال جريمة، ولكن من جعل سلب الأرواح فضيلة؟
خيانة النساء قبيحة، ولكن من صيَّر رجم الأجساد جميلًا؟
أنقابل الشرَّ بِشَرٍّ أعظم ونقول هذه هي الشريعة، ونقاتل الفساد بفساد أعم، ونهتف هذا هو الناموس، ونغالب الجريمة بجريمة أكبر، ونصرخ هو العدل؟
ومن هم الذين رفعوا هذا اللص على الشجرة؟ أملائكة نزلوا من السماء أم رجال يغتصبون ويسرقون كل ما تصل إليه أيديهم؟
ومن قطع رأس هذا القاتل؟ أأنبياء هبطوا من العلاء أم جنود يقتلون ويسفكون الدماء أينما حلوّا؟
ومن رجم هذه الزانية؟ أَنُسَّاك طاهرون أتوا من صوامعهم أم بشرٌ يأتون المنكرات ويفعلون الرذائل مختبئين بستائر الظلام؟
الشريعة، وما هي الشريعة؟ من رآها نازلة مع نور الشمس من أعماق السماء؟ وأي بشري رأى قلب الله فعلم مشيئته في البشر، وفي أي جيل من الأجيال سار الملائكة بين الناس قائمين احرموا الضعفاء نور الحياة، وأفنوا الساقطين بحد السيف، ودوسوا الخطأة بأقدام من حديد.
من قبضة العار من أن أترك جسده طعامًا لقشاعم الطير والوحوش الكواسر.» فأجبتها قائلًا: «لا تخافي مني أيتها المسكينة. فأنا قد ندبت حظ فتاك قبلك بل خبريني كيف أنقذك من قبضة العار.»
القائد الظلوم حتى جاء الجند وساقوه إلى السجن مكبلًا بالقيود»
قالت هذا ونظرت إليَّ نظرة تذيب الفؤاد وتثير الشجون وولَّت مسرعة ورنات صواتها الموجعة تولد بين تموجات الأثير اهتزازًا وارتعاشًا.
على عنقها الأملس بكفيه القاسيتين وصرخ بأعلى صوته (تعالوا وانظروا الزانية وعشيقها) فهرول الجيران ثم جاء الجند مستطلعين الخبر فأسلمها إلى أيديهم الخشنة فاقتادوها محلولة الشعر ممزقة الأثواب. أما أنا فلم يمسَّني أحد بضرر لأن الشريعة العمياء والتقاليد الفاسدة تعاقب المرأة إذا سقطت، أما الرجل فتسامحه.
وعاد الشاب نحو المدينة ساترًا وجهه بأثوابه ولبثت أنا ناظرًا متأملا متنهدًا وجثة اللص المشنوق ترتجف قليلًا كلما هَزَّ الهواء أغصان الشجرة كأنها تسترحم بحراكها أرواح الفضاء لتهبط وتمددها على صدر الأرض بجانب قتيل المروءة وشهيدة الحب.
بجانب القبرين ووضعته فيه: وبعد أن غمرته بالتراب أخذت قطعتين من الخشب وصنعت منهما صليبًا وغرسته فوق رأسه. ولما تحولت نحو الوجهة التي جاءت منها أوقفتها قائلًا: «ما غرَّكِ أيتها المرأة فجئتِ تدفنين لصًّا سارقًا»
الصباح أسلموه إلى الجند قائلين:(هو لص شرير جاء لكي يسرق آنية الدير الذهبية) فاقتاده الجند إلى السجن ثم إلى المشنقة ليملأوا أجواف العقبان من جسده لأنه حاول أن يملأ أجواف صغاره الجياع من فضلات الغلة التي جناها بأتعابه إذ كان خادمًا للدير"
وذهبت المرأة الفقيرة ولكلامها المتقطع أشباح محزنة تتصاعد وتتسارع إلى كل ناحية كأنها أعمدة من الدخان يتلاعب بها الهواء.
وقفت بين القبور الثلاثة وقفة مؤبِّنٍ أُرْتِجَ عليه وانعقد لسانه لوعة فانسكب دمعه متكلمًا عن عواطفه. وحاولت التفكر والتأمل فعصتني نفسي لأن النفس كالزهرة تضم أوراقها أمام الظلمة ولا تعطي أنفاسها لخيالات الليل.
التظلم انبثاق الضباب من خلايا الأودية ويتموج حول مسامعي ليوحي إليَّ الكلام.
وقفت ساكتًا ولو فهم الناس ما تقوله السكينة لكانوا أقرب إلى الآلهة منهم إلى كواسر الغاب.
وقفت متنهدًا ولو لامست شعلات تنهيداتي أشجار ذلك الحقل لتحركت وتركت أماكنها وزحفت كتائب كتائب وحاربت بقضبانها الأمير وجنوده وهدمت بجذوعها جدران الدير على رؤوس رهبانه.
وضع حبيبها باقة من زهور الحقل فوق جسدها الهامد لتتكلم بذبولها وفنائها البطيء عن مصير النفوس التي يقدسها الحب بين قوم أعمتهم المادة وأخرسهم الجهل. وقبر فقيرٍ بائسٍ أوهت ساعديه حقول الدير فطرده الرهبان ليستعيضوا عنها بسواعد غيره، فطلب الخبز لصغاره بالعمل فلم يجده، ثم رجاه بالتسول فلم ينله، وعندما دفعه اليأس إلى استرجاع قليل من الغلة التي جمعها بأتعابه وعرق جبينه قبضوا عليه وفتكوا به، وقد وضعت أرملته صليبًا على قبره ليستشهد في سكينة الليل نجوم السماء على ظلم رهبان يحولون تعاليم الناصري إلى سيوف يقطعون بها الرقاب ويمزقون بحدودها السنينة أجساد المساكين والضعفاء.
من الرموز وصرخت بأعلى صوتي «هذا هو سيفك أيتها الشجاعة فقد أغمد بالتراب، وهذه هي زهورك أيها الحب فقد لفحتها النيران. وهذا هو صليبك يا يسوع الناصري فقد غمرته ظلمة الليل»
Use the ← → keys to move between chapters.